حوادث

نقاش هادئ في أسباب تأجيل انتخابات العدول بالبيضاء

قراءة في مقررات هيأة العدول وقراراتها ومقترحات عملية للرقي بخطة العدالة

قبل أيام، صدر عن الهيأة الوطنية للعدول قرار، بناء على قانونها الداخلي، يقضي أن يسري واجب الانخراط على جميع العدول دون استثناء، سواء هؤلاء الذين يمارسون مهنة العدالة قبل صدور الظهير الشريف للهيأة الوطنية أو بعده، وهو القرار الذي تصدت

له فئة من العدول من الدار البيضاء على الخصوص، رفضت أداء واجب الانخراط، معللة ذلك بغياب المنطق في إجراء مساواة بين الممارسين للمهنة منذ سنوات طويلة، وبين الملتحقين بها حديثا، أو هؤلاء الذين مازالوا في طور التمـــرين.

رد فعل الهيأة لم يتأخر طويلا، إذ صدر مقرر مكتوب يتضمن إعلانا عن تأجيل انتخابات المكتب الجهوي لاستئنافية الدار البيضاء الكبرى، ما يستدعي مني المساهمة بملاحظات من أجل نقاش هادئ بعيدا عن التوتر وردود الفعل المتسرعة:
إن الأمر، في نظري، يتطلب مراجعة فورية لهذا القرار وإعادة نظر، حتى يشمل أداء واجب الانخراط، فقط، الملتحقين بمهنة العدالة بعد صدور الظهير الشريف للهيأة الوطنية للعدول، كما ينبغي أيضا إعادة النظر في واجب الدمغة المحدد في عشرة دراهم، لما أثاره هذا القرار منذ صدوره من مواقف متباينة انقسم، إثره، العدول إلى مؤيد ومعارض.
لا ينبغي أن نقبل أن تكون تسوية واجبات الانخراط وأداء الدمغات وباقي التسويات والواجبات المالية ذريعة لتعطيل مسطرة الانتخابات وتوقيف عجلة الديمقراطية بالهيأة، وذلك أنه في مثل هذه المواقف ينبغي الانتصار والانحياز إلى الأولويات والقضايا المهنية ذات الأهمية القصوى لنسير قدما إلى الأمام، وأن نكون متحلين بالحكمة والتبصر والعقلانية المرنة الحكيمة، وأن نتحلى بالرفق واللين بدل العنف والشدة، وألا نجعل الجزئيات والخلفيات (مثل الديون المترتبة في ذمة أصحابها. وذلك بعدم أداء واجب الانخراط أو واجب  الدمغة) حاجزا مانعا وسببا مباشرا في تأجيل انتخابات أعضاء المكتب الجهوي المذكور وفي بطلان لوائح الانتخابات المصرح به في الإعلان المذكور.
على المستوى المبدئي، لا أحد من السادة العدول، في نظري، يرفض أداء واجب الدمغة من منطلق «دوي علينا وجي علينا»، لكن من حق الجميع أن يطرح السؤال عن مساطر تسلم المبالغ الطائلة المترتبة عن الدمغات، والجهة المكلفة بها وطرق استعمالها واستغلالها وقنوات صرفها ومسطرة تتبع الصرف ومراقبته والمحاسبة عليه.
كما أن من الواجب أن يكون هناك سجل خاص بالدمغة يحمل أرقاما تسلسلية مترتبة الوصولات ليعرف بذلك التسلسل الأشخاص الذين أدوا ما ترتب عليهم في ذمتهم والذين لم يؤدوا ذلك الواجب، كما أن هذا يسهل الأمر متى كانت هناك مراجعة للحسابات. ومن الواجب كذلك أن يكون في مقر كل مكتب مجلس جهوي  للعدول مكتب خاص بمحاسب حتى يتمكن من ضبط المداخيل والمــــــــــــــصاريف.
لذلك لا يجب أن نجعل من موضوع مالي غير محسوم أصلا وسيلة لإلغاء الانتخابات وعدم إجرائها في وقتها المحدد، وإعلان بطلانها ورفض الأسماء الواردة في اللوائح الانتخابية بحجة أنهم لم يؤدوا الواجبات المترتبة في ذمتهم، علما أنه حتى في حالة لاستجابة لطلب الأداء في إبانه، يطرح مشكل تقني آخر يتعلق بغياب صندوق بمحكمة الاستئناف، أو مكتب خاص معروف يتجه إلى العدول المعنيين لأداء واجباتهم، على غرار ما هو معمول به بهيأة المـــــــــحامين.
ومما لا شك فيه أن القانون الداخلي للهيأة ليس وحيا منزلا أو قرآنا مرتلا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا يمكن تغيير  ولو حرفا منه بحال من الأحوال، وإنما هو قانون قابل للتغيير والتعديل حسب الظروف والأحوال، ومتى اقتضت المصلحة العامة ذلك.
من ناحية أخرى، ما يلاحظ على أسلوب المقرر/الإعلان أنه عوض أن يصاغ بأسلوب تسوده سياسة الحكمة والجدال بالتي هي أحسن، جاءت عباراته محشوة، كما جرت العادة، بخزان من العنف والشدة والقسوة، كأن المخاطبين مجرمون، أو متهمون بأفظع الجرائم.
فأين نحن من قول ربنا الحكيم في كتابه الكريم ((ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن))، سورة النحل الآية 125، وأين نحن من قوله تعالى: ((فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر))، سورة آل عمران الآية 159.
وأيضا  الأسلوب الذي صدر به الإعلان ليس من أسلوب ذوي الخبرة والحنكة وتسيير الشؤون العامة، لأنه أسلوب جاف قاس يدعو إلى تعقيد الأمور أكثر مما كانت عليه، بل  إلى زيادة نزيف الجراح بدل السعي إلى  تضميدها ووضع البلسم عليها المؤدي إلى شفائها.
ومن حقنا بعد كل ذلك أن نتساءل:
ماذا جنت الهيأة الوطنية من تأجيل انتخاب أعضاء المجلس الجهوي لاستئنافية الدار البيضاء ورئيسه؟ لا ريب أنها لم تجن إلا زيادة التحدي والتعصب واستمساك كل فريق بما جنح إليه واستبداده برأيه، وعدم تنازله وإصغائه للآخر فهل هو الخوف من فقدان المناصب التي يحتلها البعض؟ أم الحسد المقيت الذي يملأ بعض القلوب تجاه البعض الذي أدى إلى تفاقم الأوضاع أم ماذا؟ لعل الأيام تبدي لك ما كنت جاهلا.
ثم أقول عجبا لمن أشارت إليه الأصابع بالتهم التي يندى لها الجبين، وما زال متماديا في غياهب التمويه والتضليل، ولم يتأثر بما ينسب إليه من أنه السبب المباشر في تعطيل سير الانتخابات وإجرائها في إبانها وفي الوقت المحدد لها، ما جعل مجموعة من أعضاء المكتب التنفيذي يحملونه المسؤولية، ويشهدون بأنه السبب المباشر في تأجيل كل الانتخابات المذكورة، سيما انتخاب رئيس جديد للهيأة المذكورة.
وفي الأخير، ما علينا إلا أن نهيب بجميع السادة العدول الذين يتعاطون هذه المهنة المشرفة، ليبادروا بجدية إلى التحلي بالنزاهة، والأخلاق العالية، والصفات الحميدة التي تتلاءم مع هذه المهنة الشريفة الجليلة.
ونلتمس من الهيأة الوطنية للعدول في المرحلة المقبلة أن تقوم  بكل إخلاص وتفان وصدق نية برد الاعتبار إلى خطة العدالة بصفة عامة، والعدول بصفة خاصة، وبالمبادرة إلى عقد ندوات لدراسة بعض التشريعات العقارية الحديثة كقانون الملكية المشتركة وقانون بيع العقار في طور الإنجاز وقانون الإيجار المفضي إلى تملك العقارات وكل ما له صلة وطيدة بمهنة خطة العدالة، حتى تزول تلك الفكرة الخاطئة التي تسود عند عدد هائل من المواطنين، وهي أن العدول لا يحررون العقود الخاصة بالمحافظة العقارية، وإنما تقتصر أعمالهم على الزواج والطلاق والإراثة وما شابه ذلك، وتوضح لهم أن العدول من حقهم القيام بكل المعاملات ويوثقون جميع الشهادات من ملكيات وبيوعات سواء كانت لعقارات محفظة وغير محفظة، وهذا يستوجب على جميع من أسندت إليهم هذه المهام أن يقوموا بالمسؤوليات الملقاة على عاتقهم أحسن قيام، ويساهموا في تنظيم هذه المهنة تنظيما حديثا محكما  ستجيب لمستجدات العصر إسوة بباقي المهن الأخرى.  
وفي الختام ما علينا إلا  أن نشكر وزارة العدل على المجهودات الجبارة التي تبذلها من أجل إتمام جميع المساطر الشكلية والجوهرية لإصلاح هذه المهنة الحرة  الشريفة، وإعطائها شحنة قوية ترقى بها إلى مكان عال بين المهن في الوقت الراهن.
ونتمنى لهيأتنا المحترمة كل توفيق  ونجاح حتى  تساهم  في مسيرة التنمية البشرية التي دعا إليها  صاحب الجلالة الملك محمد السادس أيده الله ونصره وترقى إلى المستوى الذي يريده جلالته لإصلاح جميع المؤسسات ومواكبتها للتطور والبناء  والحداثة مع المحافظة على الثوابت والأصالة، وتساهم في تأسيس دولة الحق والقانون بالشكل السليم .
 اسماعيل اركيب:  (عدل موثق)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق