fbpx
ملف عـــــــدالة

فضـاء تفريـخ المجرميـن

شبكات منظمة تستهدف تلاميذ المؤسسات بالمخدرات
وأنت تتجول بمحيط المؤسسات التعليمية بالعاصمة الاقتصادية لا بد أن تثير انتباهك تجمعات بشرية, وهو ما يجعلك في البداية تظن أن الأمر يتعلق بتلاميذ مجدين يعكفون على القيام بواجباتهم المدرسية, قبل أن يكشف الاقتراب منهم أكثر حقائق صادمة عنوانها ” تلاميذ البلية والإجرام”.
يكفي أن تقوم بجولة استطلاعية بمحيط المؤسسات التعليمية سواء منها الإعدادية أو الثانوية لتتضح لك الصورة الصادمة حول ظاهرة “تعاطي التلاميذ للمخدرات” التي لا يمكنك تصديقها إلا إذا رأيتها بأم عينيك، فبمجرد اقترابك من محيط المؤسسات التعليمية ستصاب بالدهشة من هول الصدمة، كيف لا وصورة تلاميذ المستوى الإعدادي والثانوي يجتمعون على شكل مجموعات متفرقة وهم منهمكون في استهلاك أنواع مختلفة من المخدرات.
حب الاكتشاف
“وادور ليا أصاحبي… وراه باقي عندي غير جوان خليني نتكيف فخاطري…) عبارات ليست لسيناريو فيلم سينمائي أو مشهد مسرحي، وإنما هي مشاهد حقيقية تكشف الواقع المر الذي أصبح يعيشه تلاميذ الجيل الجديد، كيف لا ومحيط المدارس غير محصن ضد ذوي النيات السيئة وشياطين الإنس الذين يتوافدون لإغراء رجال ونساء الغد لاستقطابهم نحو عالم “البلية والإجرام”.
لم يكن من السهل على طاقم “الصباح” نقل هذا الواقع المر، لولا اقتراب طاقمها من الفئة المستهدفة ومنحها ضمانات بعدم تصوير ملامحها وهو الاتفاق الذي جعل التلاميذ المدمنين يفتحون قلوبهم لنقل صورة تدعو لدق ناقوس الخطر قبل فوات الأوان.
لم يكن عثمان (اسم مستعار)، تلميذ باكلوريا بإحدى الثانويات بالحي الحسني بالبيضاء، يظن أنه سيصير يوما مدمنا على التدخين واستهلاك الحشيش و”السيلسيون”، إلى أن جاء ذلك اليوم الذي وجد فيه بعض أصدقائه من الحي مرابطين قرب باب المؤسسة وبالضبط بجنباتها الدافئة والمشجعة على كل الأنشطة المحظورة، وبمجرد الاقتراب منهم وتحيتهم أثاره منظر انخراطهم في تدخين المخدرات وهو ما جعله يرغب في اكتشاف هذا العالم الغريب.
وأضاف عثمان في حديث مع “الصباح”، “إدماني على المخدرات كان سببه الفضول، في البداية هالني منظر بعض أصدقائي وهم يدخنون تلك المخدرات بنوع من الافتخار، فأردت أن أجرِبها أنا أيضا لأثبت لهم رجولتي وبمجرد ما إن منحوني فرصة مشاركتهم تناولها شعرت بالنشوة والسعادة رغم أنه في بداية الأمر سيطر علي السعال وكدت أختنق”.
من جهة أخرى تختلف حكاية دخول زكرياء عالم المدمنين على المخدرات، كثيرا عن عثمان الذي يوجد في مدرسة ابتدائية، فزكرياء الذي يتابع دراسته بالسنة ثالثة إعدادي لم يكن أصدقاؤه في الدراسة هم من جعلوه ينخرط في نادي “الأطفال والمخدرات”، بل وقوفه بمحيط المؤسسة في أوقات الفراغ أو عندما يغيب أستاذ ما جعله يلتقي صدفة مع أحد الأشخاص الأكبر منه سنا، وبعد حديث تعارف، بدأ الشخص الغريب يزرع فكرة الانضمام إليه في تجربة استهلاك المخدرات. وأضاف زكرياء أنه بعد التعرف على الشاب الثلاثيني بدأ يغريه بمغامراته في عالم المخدرات، عن طريق مده بمخدر الحشيش إلى أن اعتاد عليه وصار يبحث بأي طريقة كانت لشرائه من الشاب الذي لم يعد يمنحه له بالمجان كما السابق.
أساليب الاختراق
كشفت مجموعة من التلاميذ المتعاطين للمخدرات أن أغلبية الأطفال المدمنين الذين يتحولون من بعد إلى شباب مجرمين هم ضحايا شبكات منظمة، تشتغل بشكل دقيق وتصطاد “ضحاياها” بشكل مدروس بمحيط المدارس.
وتعتمد هذه الشبكات حسب ما حكاه لنا بعض التلاميذ سواء منهم المدخنون أو غير المدخنين، على البحث عن ضحية، فتاة أو شاب له معارف وشعبية في وسطه، تم تمكينه من بعض الكميات المخدرة مجانا، ليتعاطاها، وما أن يصبح مدمنا، حتى تبدأ المرحلة الثانية من الخطة، ليفرض عليه الالتحاق بالشبكة عن طريق إغرائه بالاستفادة من امتيازات خاصة، ليروج المخدرات داخل أوساط معارفه.
نتائج كارثية
مدمنون وضحايا تظهر على أجسادهم آثار تعاطي شتى أنواع المخدرات، هذا هو حال العديد من المؤسسات التعليمية ببلادنا، التي أصبحت تختزل سموما تقتل داخل فضاء من المفروض أن يكون مكانا لتربية وتنشئة عقول سليمة، ومؤسسة لتخريج رجال ونساء الغد الذين يعول عليهم المغاربة للانخراط في تطوير الوطن والدفاع عن.
شغب متكرر داخل القسم، نقط هزيلة ولامبالاة مفرطة، هكذا صار حال عثمان يقضي يومه داخل حجرة الدرس في ثانوية بالحي الحسني بالبيضاء، في حين يكون سعيدا خارجها بلقائه بأصدقائه وشركائه في نادي “المدمنين على المخدرات”.
كل يوم يتكرر معه سيناريو الطرد من الفصل، إما بسبب ملاسنات بينه وبين أساتذته، أو بسبب تصرفاته الغريبة، لتصبح وجهته الشارع خارج أسوار المؤسسة، رفقة أصدقائه، الذين يتقاسم معهم سيجارة أو “جوان” من أجل نسيان العالم ومشاكل “كحل الراس” حسب تعبير أصدقائه.
وإضافة إلى الانقطاع عن الدراسة وتضييع مستقبلهم وانعزالهم عن أسرهم والمحيطين بهم مقابل الاكتفاء بالانضمام إلى المستهلكين للمخدرات، صارت حياة زكرياء وعثمان وزملائهما مرة بسبب الشجار الذي ينشب بين أحدهم في حال لم تكن القسمة كما يجب أثناء تناول المخدرات وأيضا بسبب ملاحقاتهم من قبل رجال لأمن الذين يقومون ببعض الحملات التمشيطية في الأزقة والشوارع.
هكذا اتسع نشاط تجارة المخدرات بشكل كبير وأصبحت عملية سهلة تخترق صفوف أطفال في عمر الزهور، رغم الحرب الشرسة التي تشنها ضدها مصالح الأمن لكنها تظل غير كافية مع الوسائل التي تعتمدها الشبكات التي تستغل محيط المدارس لتعبث بمستقبل جيل يعول عليه، إذ إنها تطور وسائل عملها للالتفاف ما أمكنها على خطط رجال الشرطة، وهو ما يستدعي من رجال الأمن وكافة السلطات وفعاليات المجتمع المدني التعاون لفضح هذه الشبكات الإجرامية وكل من سولت له نفسه انتهاك حرمة المؤسسات التعليمية.
محمد بها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى