fbpx
منبر

واشنطن تتحالف مع الإسلام المعتدل

الاتحاد الأوربي سلح  الميليشيات الأصولية الليبية من أجل القضاء على خصومه  بذريعة نشر الديمقراطية

بدأ النضال في العالم الإسلامي من أجل مبادئ ذات معاني سامية وراقية كالديمقراطية والقوميات والقضاء على التفاوتات الطبقية الصارخة يأخذ منحى آخر قائما على سلسلة من تحالفات ذات صبغة جديدة بين كل من الإمبريالية الغربية التي تضم الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي، وبين الأحزاب الإسلامية والقادة والأنظمة التي أعطاها المسؤولون الأمريكيون والدعايات والمحللون السياسيون لقب المعتدلة، ما سيؤدي إلى وجود روابط وعلاقة بين قوى الإمبريالية الغربية والحركات الإسلامية بمختلف قادتها وأنظمتها لما يقتضيه الواقع السياسي الحالي، اعتمادا على تعاون له خلفية تاريخية لا يمكن غض الطرف عنها وبأي شكل من الأشكال.
وحاول العديد من المحللين السياسيين كشف الستار وتسليط الضوء على العديد من الزوايا المعتمة وغير الواضحة المعالم بخصوص ما يحدث في الساحة السياسية بالعالم بأسره بين عالمين مختلفين تماما في كل شيء، وهما الغرب والعالم الإسلامي، في محاولة منهم لاستقراء الأوضاع الحالية مع إعطاء تكهنات مستقبلية.
ومن بين هؤلاء، هناك جيمس بيتراس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة بينغهامتون بنيويورك المعروف على أنه ناشط ثوري ومعارض للإمبريالية بشتى أشكالها، الذي يرى أن الدافع الرئيسي أو السبب الفعلي وراء احتضان واشنطن وترويكا الامبريالية الأوربية التي تضم انجلترا وألمانيا وفرنسا ما تطلق عليه صحافتهم الرسمية اسم “الأحزاب الإسلامية المعت” هو انهيار وضعف عملائهم من رؤساء بعض الدول العربية الذين كانوا مخلصين لهم لمدة طويلة. فبين عشية وضحاها تحولت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي من حاميين لمصالح عملائها كالرئيس المصري السابق حسني مبارك، والرئيس اليمني صالح، وزين العابدين بن علي، الرئيس السابق لتونس إلى قوتين مناهضتين تدعمان الإطاحة بهم وتساند شعوبهم ضدهم.
لم تجد الولايات المتحدة وبلدان الاتحاد الأوربي، حسب جيمس بيتراس،  بديلا عن عملائها سوى الالتفات إلى الحركات الإسلامية والوقوف بصفها، لأنها كانت قد عبرت عن استعدادها للعمل في نسق الدولة المؤسساتية الحالية وبإستراتيجية مغايرة لتحسين الأوضاع.
فمثلا في كل من جمهورية مصر العربية وتونس، أعرب كل من حزبي الحرية والعدالة وحزب النهضة عن رغبتهما في العمل كشركاء موثوق بهم للعمل من أجل إيقاف كل الحركات التي تناهض الديمقراطية، وتحاول تحدي الأوضاع السوسيو-اقتصادية الراهنة والمتدهورة مع مساندة النظام الرأسمالي. كما انضم المغرب كذلك لموجة محاولة التغيير من خلال تبوؤ حزب العدالة التنمية الإسلامي لانتخابات 25 نونبر .
لم يتوان أستاذ علم الاجتماع عن القول إن”الإسلاميين المعتدلين أصبحوا وسيلة دعم للحروب الإمبريالية المعاصرة ضد الجمهوريات العربية القومية والعلمانية، كسوريا وليبيا ومصر وأداة عزل وقمع في وجه الأحزاب العلمانية اليسارية، بالإضافة إلى أنهم”، أي الإسلاميين المعتدلين”، سيشكلون جدارا واقيا  يحمي الامبريالية من أي فرصة ثانية للشعوب في أن تثور من أجل المطالبة بتغييرات جذرية تخص المساواة في الحقوق مع الغرب وتؤدي إلى مشاحنة دامية ووحشية وارتكاب جرائم عديدة ضد الإنسانية والعدالة البشرية من طرف المسؤولين الغربيين في حق الشعوب الإسلامية”. كما يعتقد أن هناك احتمالا في أن تكون الأحزاب الإسلامية المنتخبة مجرد استمرارية لأنظمة ديكتاتورية فاسدة سابقة تم الإطاحة بها،مع توقيع للمزيد من الاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الأوربي .وبالتالي سيكون دور الإسلاميين في هذه المرحلة، هو العمل على إبعاد اليساريين والقوميين عن السلطة، وإفشال أي محاولة منهم لكسب تعاطف الرأي العام، حيث سيكون دورهم بديلا عما يسمى بالعزاء الروحي، وتقييم الأنا عن طريق الإسلام، بدل العمل على  إعادة توزيع الأراضي والثروات، والقوة والمداخيل وتحقيق المساواة التي حل محلها الاستغلال وارتفاع عدد العاطلين والتفاني في استغلال العاملين ذوي الأجور المنخفضة والدخل المحدود.
قامت الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي بتمويل وتسليح الميليشيات الأصولية الليبية طيلة الثمانية أشهر الدامية التي سقط فيها آلاف القتلى، كل هذا كان من أجل القضاء على خصومهم بذريعة الرغبة في نشر الديمقراطية، هو سيناريو شهده العالم سابقا في كل من العراق وأفغانستان وهاهو يتكرر مرة ثانية في ليبيا وثالثة بسوريا أي أن هناك رغبة جامحة من أجل القضاء على الاقتصاد القومي للبلد وإفشال أي خطوة بناءة هادفة إلى خلق مجتمع متقدم.
ويسجل التاريخ العديد من حالات التعاون بين الأنظمة الامبريالية الغربية والحركات الإسلامية، فمثلا في أوائل الستينات، قامت وكالة الاستخبارات المركزية بدعم انقلاب عسكري ضد النظام العلماني الأندونيسي بقيادة سوكارنو، كما قامت بتشجيع دميتها الدكتاتور الجنرال سوهارتو بإطلاق العنان للميليشيات الإسلامية في شن حرب ضارية كان هدفها هو إبادة ما يقرب من مليون نقابي يساري، ومعلم مدرسة وطالب ومزارع وشيوعي.
حدث نفس الشيء بيوغوسلافيا، حيث قامت الولايات المتحدة وأوربا بتمويل المسلمين الأصوليين بالبوسنة، وذلك بجلب مجاهدين سيشكلون فيما بعد جزءا مهما من تنظيم القاعدة ، ومن ثم دعمت المنظمة الإرهابية المعروفة جيش تحرير كوسوفو. المهم في كل ما سبق أن العلاقة بين الأنظمة الإسلامية والامبريالية هي علاقة وتحالف عادة ما تكون قصيرة الأمد ومؤقتة لا تقوم على مصلحة مشتركة تخدم الطرفين معا، كما أنها علاقة معقدة وغير مستقرة ملطخة بالدماء.
وتقوم الإستراتيجية المتبعة حاليا في التعاون القائم بين الإمبريالية المعاصرة والحركات الإسلامية على خدمة الأحزاب الإسلامية للامبريالية من خلال توفير “الشرعية”، وإضفاء غطاء من الاحترام والمصداقية على المتعاونين الذين يتصارعون على كسب تأييد قوي من طرف طبقات تنتمي للفقراء، ومن هضمت حقوقهم ومن خلال تقديم العديد من الخدمات الخيرية وبناء العديد من المساجد ومحاولة تحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية المزرية.
ورغم النجاحات التي حققتها شراكة الإسلاميين مع الإمبريالية، فإن الأزمات الاقتصادية في العالم، خصوصا تزايد البطالة والبؤس في الدول العربية يجعل من الصعب على الإسلاميين “المعتدلين” أن يحققوا الاستقرار في مجتمعاتهم. وقد يجعل هذا بعض السلفيين وجماعات أصولية متطرفة تستغل غضب الشارع بسبب خيانة الإسلاميين المفترضة لثقة المجتمع بهم ليعززوا وجودهم، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوربي ربما يكونان قد تجنبا، مؤقتا، ثورة في اتجاههما، وذلك من خلال استيعاب الإصلاحات الانتخابية، وإبرام التحالفات مع الإسلاميين المعتدلين، ولكن تدخلاتها العسكرية الجارية وتفاقم أزمتهما الاقتصادية، سوف تقوم فقط بتأجيل حدوث صراع أكثر احتداما وفاصل في المستقبل القريب.

ترجمة:  نوال شيحي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى