fbpx
ملف عـــــــدالة

أقسام الجرائم المالية … السياقات والرهانات

مكافحة الجرائم المالية تستدعي إجراءات ذات الطابع الإستراتيجي والقانوني والمؤسساتي

أدت التجاذبات الكبرى التي تعرفها الساحة الاقتصادية العالمية والسياقات الوخيمة التي خلفتها عولمة الإجرام عبر آليات ومصادر مختلفة إلى ظهور جيل جديد من المنازعات، وتطور كبير في الجريمة وتشعب لميادينها وتقنياتها، مما افرز قناعات مختلفة لدى الجميع، منها أن الجرائم المالية لم تعد تشكل فقط خطرا على مجهودات التنمية الوطنية والدولية، ولكن أصبحت تهدد أمن واستقرار المجتمعات بالنظر إلى آثارها السلبية على ترسيخ دولة القانون ومصداقية المؤسسات وإضرارها بالاقتصاد المؤسساتي ومساهمتها في ما سمي بالاقتصاد الخفي économie souterraine .
والمغرب في إطار سياقات متعددة ومتقاطعة بادر إلى خلق غرف جديدة بأربع محاكم استئناف – تم اختيارها بعد دراسة أسباب ومعطيات مختلفة – مختصة في البت في الجرائم المالية والاقتصادية اختير لها حوالي 50 قاضيا تلقوا تكوينا متخصصا في هذا المجال.
هذا الحدث القانوني يفرض علينا باعتبارها شأنا عاما الوقوف عند سياقاته وتحليل آلياته و تقييم رهاناته.
1. سياقات الحدث
لايمكن قراءة هذا المولود الجديد دون وضعه في سياقاته المتعددة، بدأ بالسياق الإصلاحي، وهو الذي يجد مرجعيته بالأساس في الخطاب الملكي السامي بمناسبة ثورة الملك والشعب في 20 غشت 2009 الذي حدد محاور ستة لإصلاح متكامل ومضبوط للعدالة ذات الأولوية ومنها تأهيل العنصر البشري ورفع النجاعة القضائية وترسيخ التخليق وتحديث المنظومة القانونية، وهي محاول يمكن تلمس ملامحها بشكل أو بآخر في هذه التجربة التي أقدم عليها المشرع الجنائي المغربي.
ثم هناك السياق الدستوري، وهنا نؤكد على أن هذا «النظام القضائي» الجديد يندرج من جهة أولى ضمن مفهوم تكريس الأمن القضائي الذي أصبح حقا دستوريا لفائدة المتقاضين، ووظيفة يقع على عاتق القضاء المغربي تحقيقها بصريح الفصل117 من الدستور، ومن جهة ثانية فإن المغاربة أسسوا لوثيقة دستورية ربطت المسؤولية بالمحاسبة ونصت على مبادئ قوية في مجال الحكامة الجيدة، وتخليق الحياة العامة ومنها الحياة الاقتصادية، وتمت الارتقاء بمجموعة من المؤسسات إلى هيآت دستورية وتم دسترة مجموعة من الحقوق ذات ارتباط بالمجال الاقتصادي والمالي، وتتصل بالشفافية والنزاهة ومكافحة الفساد وتعمل على ضمان المساواة وحماية حقوق المتقاضين في إطار خيار مشروع مجتمعي متكامل يكرس الحقوق بشكل مؤسساتي واضح.
هذه الحمولة الدستورية تبدو آثارها واضحة في فلسفة هذا النص ودوافعه ولا يمكن تغييبها عند تحليل رهاناته وتقييم آلياته.
2. رهانات الحدث و آلياته… محاولة أولية للتقييم
يبدو من خلال قراءة أولية بسيطة لسياقات الحدث أن تخليق الحياة العامة ومحاربة الفساد المالي والاقتصادي بكافة مظاهره، والسهر على سيادة القاعدة القانونية التي يحاسب في ظلها الجميع وإعادة الثقة الاقتصادية والقضائية، ستكون هي الرهانات الأساسية الموضوعة أمام المعنيين بتفعيل هذا المقتضى القانوني الجديد، والتي اختار المشرع لتحقيقها مجموعة من الآليات منها:
* تأهيل العنصر البشري، وذلك من خلال اختيار نخبة من القضاة وتخويلهم تكوينا تخصصيا ضمن برنامج مكثف تم تنفيذ حوالي ثلاثة فصول منه بالمعهد العالي للقضاء بتنسيق مع مؤسسات وهيآت متدخلة مباشرة في الموضوع وطنية وأجنبية.
وإذا كنا لا نختلف حول أهمية هذا التكوين التخصصي سيما في مجال يعرف تشعبا في تقنياته، ويقتضي مواكبة تشريعية سريعة وتكوينا مستمرا للأجهزة المكلفة بالبحث والتقصي والمحاكمة لمواجهة تراكم وطول المدة التي يستغرقها النظر في هذا النوع من القضايا، وتتطلب معرفة بتقنيات خاصة بالمالية والمحاسبة وتسيير المجالس الجماعية والصفقات العمومية، لكن هذه الاحترافية لا يمكن بداهة تصور اكتسابها في فترة وجيزة من التدريب التي لم تتجاوز الشهر الواحد ولا يمكن اعتبارها إلا مرحلة أولية للتحسيس بالموضوع لا غير، مما يقتضي في نظري أولا استمرار التكوين على أعلى المستويات وبمنهج تشاركي دقيق يشمل أيضا باقي الفاعلين الذي لا محيد عنهم من خبراء وضابطة قضائية وكتابة الضبط وغيرهم. وثانيا يطرح علينا ضرورة مساهمة الجامعات ومؤسسات التكوين العليا في خلق مسالك تدريسية متخصصة في مكافحة الجرائم المالية والاقتصادية خاصة على مستوى الماستر والدكتوراه تكون مفتوحة ليس فقط أمام الطلبة، وإنما أيضا أمام القضاة وباقي الفاعلين في الشأن القضائي على غرار تجارب تشريعية مقارنة مما سينعكس بالإيجاب على درجة التأهيل والنجاعة والاحترافية.
خيار « القضاء المتخصص»، إذ لاشك أن التمكن من الإطار القانوني  والتقني والاقتصادي والمحاسباتي للجرائم الاقتصادية والمالية لن يكتمل إلا بوجود قضاء متخصص. فالتعقد المتنامي للمساطر القانونية وتزايد حجم التقاضي يجعل مسالة التخصص أكثر إلحاحية لتطويق هذا المد ومواجهته، وهو يبقى في اعتقادي تقسيم بسيط لكنه ضروري للعمل القضائي الاحترافي المهني. لكن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هل الصيغة الحالية التي ارتضاها المشرع لهذا القضاء» المتخصص» هي مجرد صيغة جنينية  في انتظار نضج التجربة ووصولها إلى نموذج « المحاكم الاقتصادية « على غرار دول أخرى؟ ثم ألا تطرح الصيغة الحالية نوعا من الغموض، والالتباس المسطري ومجموعة من الإشكاليات القانونية التي من شانها عرقلة تفعيل هذا النص وقد تحول دون تحقيق أهدافه؟
خيار المقاربة المتكاملة، لأنه يبدو من خلال قراءة الحركة التشريعية في المغرب أن النص القانوني الجديد يعد حلقة في سياق سلسلة من النصوص الأخرى التي تروم في مجملها إلى استكمال بناء منظومة وطنية للنزاهة ومحاربة الفساد المالي والاقتصادي (حذف محكمة العدل الخاصة، قانون مكافحة تبييض الأموال، قانون حماية الشهود، تعديل مقتضيات المجلس الأعلى للحسابات…).
لكن مكافحة الجرائم المالية والوقاية منها يستدعي مجموعة متكاملة من الإجراءات ذات الطابع الاستراتيجي والقانوني والمؤسساتي كما نصت على ذلك الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب، ومن هذا المنطلق أرى من الضروري دعم هذا التنظيم القضائي بإجراءات أخرى كثيرة لكسب الرهان و منها، وضع آليات فعالة لتنزيل المبادئ الدستورية الهامة كربط المسؤولية بالمحاسبة، ووضع قواعد واضحة لشفافية تدبير المال العمومي، ودعم مجهودات المؤسسات المستقلة للمراقبة، وتأهيل باقي الجهات المشاركة في الفعل القضائي خاصة الضابطة القضائية والخبراء، وتشجيع المجتمع المدني ووسائل الإعلام كآليات للرقابة الشعبية.
ويبقى هذا المولود القانوني الجديد آلية جديرة بالرعاية والتتبع، وتجربة متميزة يجب توفير كافة الشروط لإنجاحها قصد الوصول إلى قضاء ناجع وفعال، ومستقل يجيب على انتظارات المتقاضين وفي خدمتهم.

محمد الخضراوي
(مستشار بمحكمة النقض)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى