fbpx
وطنية

المفارقات التركية تجاه الأزمة السورية

لا تستطيع تركيا أن تتحدث طويلا، وبلغة مبدئية، عن أوضاع حقوق الإنسان في سورية من دون أن يستغرب الناس لذلك. قد يصدقها من لديه مصلحة في نتائج ما تقوله، ولكن أكثر الناس – ومنهم أتراك – يعلمون أن الحرص على حقوق الإنسان آخر ما يمكن أن يشغل النخبة الحاكمة في أنقرة. من لديه مشكلة قومية ومأساة إنسانية نازفة في بلده، مثل المشكلة الكردية، لا يعرف لها من طريقة للمعالجة سوى هضم الحقوق القومية لملايين الناس، وعدم الاعتراف لهم بنصوصياتهم الثقافية واللغوية ناهيك بالقومية، وقمع حركتهم الوطنية بالعنف المسلح بدعوى مواجهة “الارهاب”، لا يملك حقا أخلاقيا في البكاء على أطلال حقوق الإنسان المنتهكة في سورية. ما يفعله النظام السوري بمواطنيه المدنيين – غير المسلحين – شنيع ومُدان، لكن ما يفعله النظام التركي بالمواطنين الأكراد أكثر مدعاة إلى الاستشناع والإدانة، وهو، في كل الأحوال، واحد من الأسباب التي منعت تركيا من الإنضام  إلى “الاتحاد الأوربي”، رغم كل الجراحات التجميلية التي خضعت لها صورتها، بمساعدة الأصدقاء الأمريكيين، في السنوات العشر الأخيرة.
لم تفكر تركيا، مثلا، في مأساة حقوق الإنسان في ليبيا طيلة حكم النخبة القائمة في أنقرة، وحين كانت طائرات القذافي وكتائبه الأمنية تحصد أرواح آلاف الليبيين في بنغازي، ودرنة، والبيضاء، والبريقة، والزاوية، ومصراته…، وظلت تدعم نظام العقيد وتُسْنِدُهُ إلى أن تبين لها الأفق المسدود لسياستها، فاضطُرت مرغمة لمجاراة الأوربيين. كانت المصالح عندها أهم من دماء الليبيين المهدورة بغير حق، ولم تكن لتجد حرجا أخلاقيا في التغطية على جرائم نظام طربلس مادامت المصالح محفوظة! أما حقوق الإنسان، فلتذهب إلى الجحيم إن كان لها أن تعارض المصالح القومية التركية. وهي، في الأحوال كافة، مقبولة ومرغوب فيها إن كانت مطية مريحة لتلك المصالح: تركبها نحو الظفر بالبغية.
تتكلم تركيا الأردوغانية، في شأن حقوق الإنسان، لغة أمريكية صرفة، وليس مردّ ذلك إلى أن “حزب العدالة والتنمية” الحاكم حزبٌ موالٍ لأمريكا ومرضيٌّ عن إسلامه، كما كان يتهمه الزعيم الإسلامي التركي الراحل نجم الدين أربكان، وإنما لأن منطق مصالح نخبتها الحاكمة اليوم يقضي باستخدام ورقة حقوق الإنسان لتصفية الحسابات مع خصوم اقليميين، ولدعم حركات سياسية من السلالة الايديولوجية والسياسية عينها للوصول الى السلطة بأي ثمن. ليست حقوق الإنسان في جملة المبادئ الحاكمة للسياسة التركية، تماما كما هي لا تحكم السياسات الصهيونية والأمريكية، وإنما هي في جملة أسلحة الضغط السياسي المستعملة بانتقائية مفضوحة وبمنطق المعايير المزدوجة.
والأمر الأدْعى الى الغرابة أن تستسهل تركيا أمر التدخل المعلن فيه شؤون سورية الداخلية، وأن لا يتحرج رئيس وزرائها في القول إن الأوضاع في سورية جزء من الأمن القومي التركي! وإذا صرفنا قليلا النظر – الذي لا يمكن أن يُصرف – عن الإيحاء العثماني في كلامه، وكأن سورية ولاية تابعة للباب العالي!، فإن موقف زعيم “العدالة والتنمية” لا يتناسب وموقف تركيا التقليدي من سياسات التدخل الدولي في شؤونها الداخلية، ورفضها الدائب له. فلقد ظلت صورتُها في العالم الخارجي غير طبيعية بسبب انتهاكاتها لحقوق الأكراد.
وحين كانت الاحتفالات في أوربا والعالم بمأساة إبادة الأرمن، في الحرب العالمية الأولى تجرى في العواصم في شكل تظاهرات استنكار أو استذكار، من الجاليات الأرمنية التي أباد الأتراك أجدادها، ومن منظمات حقوق الإنسان، كانت ثائرة تركيا تثور بالمناسبة، وترفع العقيرة للقول إن هذه الحملات تدخل سافر في شؤون تركيا، ومحاولة لتشويه سمعتها في العالم. حلال على تركيا أن تتدخل في شؤون جوارها، حرام على غيرها أن يتدخل في شؤونها!
لا تستطيع تركيا الأردوغانية أن تضع نفسها، اليوم، موضع سورية، وتقبل بما لم تتوقف عن مطالبتها سورية بالقبول به. هل ترتضي تركيا أن تقوم دولة مجاورة لها بالتحريض اليومي للمعارضة الكردية، المسلحة والمدنية، فيها؟ وبالدعوة الى فرض منطقة حماية في شرق الأناضور وتأمين غطاء جوي يقيهم جرائم القتل والإبادة؟ وباستقبال قيادات المعارضة الكردية في أراضيها واحتضان مؤتمراتها؟ أو بدعم احزاب المعارضة العلمانية فيها ودعوتها الى إسقاط النظام الإسلامي فيها بالمظاهرات والمسيرات؟ سوف ترفض تركيا ذلك بشدة وتقاومه بكل ما أوتيت من قوة ستقول عن المسلحين الأكراد إنهم إرهابيون وقتلة ومجرمون وليسوا طلاب حق شرعي، وأنها حين تقاتلهم إنما تفعل ذلك دفاعا عن أمن الشعب ووحدة الوطن واستقرار الدولة.
ومع أن ديمقراطيا لا يمكنه أن يوافق تركيا على سياساتها تجاه حقوق الإنسان الكردي، إلا أنه لن يجادلها كثيرا في حقها في حفظ أمن مواطنيها وجنودها ومؤسساتها من العنف المسلح. لكن تركيا لا تقرأ نفسها في مرآة سورية، فترى في مواجهة الجيش للمسلحين سعيا من الدولة في حفظ أمن الوطن والمواطنين، وإنما ترى فيه تمرُّدا مسلحا مشروعا لإسقاط النظام!
حتى الآن يختلط الأمر على المرء في شأن تصرُّف رئيس وزراء تركيا تجاه دمشق: هل يتصرف كزعيم دولة اقليمية ذات مصالح أم كزعيم حزب عقائدي حاكم؟!

د. عبد الإله بلقزيز: باحث ومفكر عربي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى