fbpx
ملف الصباح

سيدي عبد الرحمان… بركات “مول المجمر”

طقوس بطعم الشعوذة والدعارة والجريمة بطلاتها «مولات اللدون والكارطة»

وسط أمواج شاطئ عين “الدياب” بالبيضاء، تقع قبة ضريح الولي سيدي عبد الرحمان، المعروف بـ”مول المجمر”. قلعة متوغلة في البحر تلطمها الأمواج من كل جانب، تقام فيها طقوس دينية، وتعشش داخلها أنماط من السحر والشعوذة، وأشكال من الدعارة والجريمة. هي معقل يعج بممارسات تقليدية تستقطب رواد الخرافة والمعتقدات الشعبية، ويرعاها أبطال من الجنسين يدعون البركة وعلاج المرضى من السحر و”التابعة” و”التقاف”،
مقابل مبالغ مالية ولوازم الزيارة، التي تبدأ من البخور والشموع وصولا إلى الذبائح والقرابين، التي يتبرك بها الزبائن إلى روح الولي وحماة الحصن.

إنجاز: عصام الناصيري

قبل سنوات لم يكن دخول قبة سيدي عبد الرحمان أمرا سهلا، إذ يعزل الضريح وسط المياه في فترات من السنة، عندما يعلو مستوى البحر، فكان يحتم على الزوار ركوب الأمواج فوق “شمبرير” مقابل 10 دراهم، من أجل العبور إلى حضرة الولي، الذي تحيط به عدد من الغرف، التي يتخذها “حراس المعبد” سكنا لهم، في حين أن آخرين خصصوها للكراء لبعض “المرضى” المسنين والعجائز الذين انتهى بهم الأمر في الضريح، بسبب تخلي أسرهم عنهم، أو بذريعة هوسهم بطقوس “الحضرة” والبخور وحماية “هل المكان”، غير أنه في السنوات الأخيرة شيدت قنطرة طويلة تصل الولي بالكورنيش، وصارت الزيارة أسهل من ذي قبل،

“سبع مواج”

يتكون الضريح من عدة مرافق يتنقل فيها الزوار خلال مدة زيارتهم. فبالإضافة إلى قبة الضريح، هناك منحدر صخري على حافة مياه البحر يسمى “الخلوة”، وغرفة يستحم داخلها “المريض” بماء “سبع مواج” بغرض التخلص من “التابعة”، ومجموعة من الغرف اتخذتها العرافات مقرا لامتهان طقوس تدور في فلك الشعوذة، فمنهن صاحبة “اللدون” و”مولات الكارطة” وصاحبة “الحجابات”، كلهن يشتركن في نقطة واحدة، هي ادعاؤهن النظر إلى المستقبل، وامتلاك البركة، وفك الطلاسم، والتقريب بين قلوب المحبين، وتخليص الزوار من “العكس” وشر عين الحسود. الزوار بدورهم يوقنون ويسلمون بالقوى الخفية والبركات التي يدعيها “حراس المعبد”، ويعتقدون يقينا أن طبيبهم الوحيد هو سيدي عبد الرحمان وخلفه، وأن طقوس الضريح وحدها الكفيلة برفع الغم عنهم، وتحقيق مبتغياتهم.
يقف زائر سيدي عبد الرحمان على رصيف الشاطئ، ويترجل على قنطرة تؤدي إلى قبة الولي، تقول محجوبة وهي امرأة مسنة تسكن غرفة متاخمة للضريح، إن لوازم الزيارة لا تخرج عن الأغذية والهدايا، يجلبها الوافدون قصد التبرك ببركة الولي والتضرع أمامه لتحقيق الأمنيات، موضحة “كيجيبو الناس الشمع والسكر والحليب والفرارج والذبيحة”، وتضيف “الناس كيجيو هنا كيبخرو وكيدوشو كيرجعو بخير”. وتعتبر “الخلوة” أهم طقس في رحلة زيارة الولي، وهي بمثابة مستودع الضريح، حيث يترك فيها الزوار الهدايا والقرابين التي جلبوها معهم. قرب “الخلوة” هناك غرفة صغيرة مخصصة للاستحمام بنوع خاص من الماء، تدعي العرافات أنه ماء “سبع مواج”، بمعنى أن شخصا يعد الأمواج القريبة من الشاطئ ويدخل حتى يصل الموجة السابعة ويعبئ منها الماء، وبعد الاستحمام تفرض الطقوس على الوافدين التجرد من ملابسهم وإلقاءها من أعلى صخرة “الخلوة”، في إشارة إلى التخلص من “التابعة” وتصفية الروح والجسد من الشرور.
تتحدث محجوبة لـ”الصباح” بنبرة مترددة، “يحضر إلى الضريح رجال ونساء من جميع أنحاء المغرب لفسخ السحر”، موضحة أن لكل عرافة طريقتها الخاصة في إرضاء المترددين عليها، تقول المتحدثة ذاتها “واحدة تضع قطعة من الحديد في النار حتى يصير لونها أحمر فتأمر المريض أن يقف ويفتح رجليه وتأتي بوعاء من الماء تضع فيه قطعة الحديد التي تطلق بخارا يعرض له المريض جسده للتخلص من السحر”، بيد أن أخريات يقمن بما يسمى “تفوسيخة اللدون” إذ يسخن معدنا حتى يصير لزجا ويسكبنه، ويشرعن في قراءة تعويذات ويتمتمن بعبارات غريبة، ويعطين النبوءات بخصوص مستقبل الزائر، ويحاولن أن يكشفن له عن شعور المقربين وخبث الكائدين.

متطلبات «الجواد»

تخفي قبة الضريح والغرف المتاخمة له قائمة من القصص والأسرار، التي تدور في فلك السحر والشعوذة واللعب بعقول آلاف الزوار، بالإضافة إلى استغلال غرف الضريح المصبوغة باللون الأبيض، في الدعارة وإحياء الليالي الحمراء، التي لا تكتمل سوى بحضور أنواع الخمور، والتي غالبا ما تكون مساحة للجريمة والاغتصاب والسرقة.
يقول حسن، مالك مقهى في مدخل القنطرة المؤدية إلى الضريح، “قبل يومين فقط تفاجأنا بحضور سيارة الإسعاف في الرابعة صباحا، اكتشفنا أنها نقلت زوجة أحد رعاة الضريح إلى المستشفى، لأنه وجه ضربة خطيرة إلى وجهها بعد أن تشاجرا وهما ثملان”.
يصرح حسن “للصباح”، أن الضريح عبارة عن مرتع تفشت فيه مظاهر السحر والشعوذة، وأن العرافات يستغللن جهل المترددين عليهن، ويستخلصن منهم مبالغ مالية مهمة مقابل حصة يحاولن خلالها إعطاء شحنة نفسية للمرضى ويسيطرن على عقولهم بطريقة كلامهن وطبيعة الأوتار التي يلعبن عليها، بمساعدة الطقوس الشعبية وهيبة المكان وموقعه التي تؤثر على الزوار، وتدفعهم إلى تكرار الزيارة، إذ تأمر العرافة الزبون بالعودة مرة أخرى لمعاينة وضعه، تماما كما يفعل الطبيب، وفي كل زيارة جديدة تزيد النفقات وتتعاظم متطلبات “الجواد”.
ويروي أحد الباعة على رصيف الشاطئ، أنه كان شاهدا على أحداث داخل سيدي عبد الرحمان في غاية الإثارة، قائلا “أعرف عرافة تقوم بأمور شيطانية، بالإضافة إلى قيامها بأعمال الشعوذة، تلعب دور وسيطة دعارة وتستغل غرفة قرب الضريح وكرا للدعارة والسحر، وتقترح على النساء اللائي يأتين إلى حضرتها وقد طالهن إهمال أزواجهن، ممارسة الجنس مع شخص آخر، وتقنع الزائرة أنه بعد انتهاء العملية سيستقيم زوجها، لكن في الواقع هي تضلل النساء وتأخذ من الطرفين مبالغ مالية”.
ويضيف المتحدث ذاته، أن العرافات يحصلن على مبالغ مهمة من الزوار، إذ يتوجب على أي شخص أراد دخول غرفة الاستحمام بماء “سبع مواج” أن يدفع بين 100 درهم و150 درهما، بالإضافة إلى نفقات “القوام” الذي يتكون من الشمع والبخور وماء الزهر والذبائح، التي تصل كلفتها إلى ما يقارب 600 درهم حسب المتحدث. ويوضح أن الملابس التي يرميها الزوار من أعلى صخرة “الخلوة” يجمعها رعاة الضريح، ويبيعونها بالجملة إلى أصحاب “البال”. ويؤكد في السياق نفسه أنه في الصيف تتوافد عدد من الفتيات إلى الشاطئ، وعندما لا يتبقى لهن مال، يقصدن الضريح لقضاء الليل، غير أن عددا منهن يتعرض للسرقة والتحرش والاستغلال الجنسي في قلب الضريح.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق