ملف الصباح

الأقليات الدينية … الانفلات والغموض

ناشيد: القوى المحافظة تصر على ممارسة المغاربة غير المسلمين للشعائر في نطاق محصور

يطرح مصطلح الأقليات الدينية الكثير من النقاش، بخصوص المقصود بالأقلية، خاصة في المجتمعات الإسلامية، مثل المغرب.
ويرى الباحث سعيد ناشيد أن المقصود بالأقليات الدينية كل الأشخاص الذين لا يتقاسمون مع أغلبية المجتمع الذي ينتمون إليه الديانة نفسها، أو لا يتقاسمون المذهب الديني نفسه، بصرف النظر عن طبيعة الديانة، وبغض الطرف عن طبيعة المذهب الديني.
وأوضح المفكر المغربي، وعضو رابطة العقلانيين العرب، أن المعايير الدولية في هذا المجال لا تقتصر فقط على الديانات السماوية أو الكتابية أو التوحيدية أو الإبراهيمية، وإنما يشمل كافة الديانات والمذاهب الدينية بلا شرط ولا تمييز. فالبوذيون والهندوس في إندونيسيا، وهي أكبر بلد ذي غالبية مسلمة، يعتبرون أقليات دينية معترفا بها رسميا، بل تم الاعتراف قبل أشهر قليلة، حتى بالديانات المحلية لبعض القبائل في تطور ملحوظ.
ويرى الباحث المغربي، ومؤلف كتاب “دليل التدين العاقل” أن المسلمين في الهند يمثلون أقلية، لكنهم يمثلون أيضا أكبر تجمع للمسلمين في العالم، ما يضعنا أمام أقلية ضخمة من حيث العدد، مضيفا أن شيعة السعودية يمثلون أقلية مذهبية، لكن تعتبر أقلية دينية من وجهة نظر آخرين، كما يمثل سنة إيران أقلية مذهبية، لكنهم غير معترف بهم إلا كمسلمين آخرين.
وأوضح ناشيد أنه في بلد يعترف بالزرادشتية أقلية دينية، يمثل البهائيون في المغرب أقلية دينية لم تعد تعاني الاضطهاد الرسمي، لكنها ما تزال في طور الكتمان، مؤكدا أن الأمر في المستوى النظري ما يزال ملتبسا إلى حد بعيد، متسائلا عن المعايير التي تجعل تصنيف الطائفة الأحمدية أقلية دينية بالمغرب، وفي الوقت ذاته رفض اعتبار الطريقة التيجانية أقلية.
وتساءل الباحث في حديث مع “الصباح”، قائلا “هل يجوز لنا أن نصنف مسلمي فرنسا أقلية، علما أن النظام السياسي علماني بالأساس، والمنظومة التعليمية علمانية كذلك؟ مؤكدا أن ثمة توافقا كونيا على اعتبار أقلية دينية كل جماعة لديها خصائص دينية أو مذهبية مميزة عن سائر المجتمع، وفي الوقت نفسه تقدم نفسها أقلية.
وبخصوص الحالة المغربية، أوضح ناشيد أن الحرية الدينية يكفلها الدستور المغربي، لكن معركة التأويل تظل مفتوحة، ومعضلة التأويل، في غياب صرامة الصياغة، يمنح الغلبة للطرف الأقوى، مشيرا إلى أنه في حالة المغرب، ما يزال هو القوى المحافظة التي تصر على أن يمارس المغاربة غير المسلمين شعائرهم في نطاق محصور ونطاق مغلق، تبعا للتقاليد الفقهية التي ما تزال تحاول أن تجعل الإسلام في المشهد العام “يعلو ولا يعلى عليه”.
وأكد ناشيد أن قدر المغرب هو الانفتاح الروحي أكثر فأكثر، وتقبل التعددية الدينية والمذهبية، وقبول مبدأ السيولة الروحية التي هي قدر الإنسان المعاصر أيضا، معتبرا أن التذرع بإمارة المؤمنين لفرض نوع من الانغلاق الديني والمذهبي، يعتبر أمرا خاطئا بالأساس، لأن عبارة أمير المؤمنين لا تعني أمير المسلمين، وإنما تعني أمير كل المؤمنين، أي كل المغاربة المؤمنين بصرف النظر عن ديانتهم ومذاهبهم.
وقال الباحث المختص في الشؤون الدينية، إنه بهذا النحو يمكن بناء مجتمع منفتح وتعددي، لأنه القدر التاريخي والجغرافي للمغرب.
وجوابا على سؤال حول دعوة بعض الجهات إلى تنظيم مؤتمر للأقليات، أوضح ناشيد أن ثمة فراغا كبيرا في هذا الباب. وطبيعي أن يحاول البعض ملء الفراغ بصرف النظر عن نواياه وخلفياته، مؤكدا أنه طالما لم تملأ القوى التنويرية هذا الفراغ، سيظل المشكل قائما.
وأوضح ناشيد أن الحقل المدني في المغرب يعاني قدرا كبيرا من الانفلات والتسيب، ويغلب عليه طابع الغموض، ومنطق الريع والغنيمة، وما إلى ذلك من آفات والتباسات، مضيفا أن الغموض آفة أخلاقية كبرى في عصر المعلومات والشفافية والانكشاف.
برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق