fbpx
ملف الصباح

جرائم فجر الاستقلال … سيف التخوين

حرب أدين فيها المقاومون وبرئ العملاء وخضع الأثرياء للابتزاز

منذ الساعات الأولى التي تلت عودة الملك الراحل من منفاه حاملا معه استقلال المغرب، اشتعل فتيل حرب تخوين أدين فيها مقاومون و برئ عملاء للاستعمار، وخضع أثرياء للابتزاز، إذ خيروا بين شراء صكوك غفران أو الحكم عليهم بـ”النهب ومصادرة أملاكهم وتشريد أسرهم.
وساد حكم الحسابات السياسية في السنوات الخمس الأولى، إذ وزعت قيادات الاستقلال، الحزب الوحيد آنذاك، تهم التخوين ضد الخصوم، في حين نجت أملاك الذين صعدوا إلى المناصب السامية في الدولة المستقلة وتم تفويتها بسلام ودون محاسبة إلى الأبناء والأحفاد فيما بعد.
ورصد محمد شكري في رواية “زمن الأخطاء” كيف بدأ الضرب عشية رجوع محمد الخامس بسيف التخوين من قبل أناس سمحوا لأنفسهم أن يلبسوا ملابس عسكرية وسترات موسومة برتبة ضابط، فيها شارة علم المغرب، ولم تكن السلطات تعترض عليهم أو تمنعهم من التجوال بها.
ونقل الكاتب صورة عن الغضب الشعبي ضد باشا المدينة، الذي ذهب ليلقي خطابا على الفلاحين، لكن كلامه لم يعجبهم فرموه بالحجارة وشتموه، قبل أن يسيروا في حشود كبيرة إلى إقامته الفاخرة قصد الانتقام منه، وإعدامه بتهمة العمالة للاستعمار الإسباني.
ويكشف صاحب “زمن الأخطاء” أن في تلك الأيام كان يكفي أن يتهم أحد المتظاهرين أيا كان بالخيانة حتى يحكم عليه بـ”التتريك” أي تجريده من كل ممتلكاته، وذلك في أحسن الأحوال، لأن هناك من حرقوا فورا، دون أن يحاكموا، أو حتى أن يفتح تحقيق في الموضوع، مستدلا على ذلك بالباشا الذي تمكن من الهرب مع زوجته إلى إسبانيا تحت حماية ضباط تابعين لجيش الدولة المستعمرة، في حين اكتشف السكان الهائجون أن خادمه الأسود بقي في البيت فنبشوا أظافرهم في لحمه، حتى سالت دماؤه، إذ كان الأطفال يصيحون في بهجة والنساء يزغردن، بعد أن سال دمه وانهارت قواه، ولم يشف ذلك غليلهم، فرموه بهراوات مشتعلة بالبنزين.
ويحكي شكري مأساة الخادم، الذي انهار وسط نار التهمت جسده، ولم تأخذهم به رأفة رغم صرخاته، بينما انتظر الجنود الإسبان إلى أن زهقت روحه.
ويصور الكاتب كيف انتقم المغاربة من بعضهم البعض، إذ لم تكد النار المشتعلة في الخادم تخبو حتى ظهرت جماعة أخرى تجر عجوزا لم يكن يعرف أنه خائن، ولم يكن معروفا بين الناس، ذنبه الوحيد أن صوتا متواريا اتهمه بالخيانة، فجروه إلى النار جرا حيث صبوا عليه البنزين وأحرقوه على وقع صرخات ابتهاج الأطفال وزغاريد النساء.
وكشف شكري أن القتل أصبح لغة ذلك الزمن الذي ساد فيه خطاب التخوين وانتشر بين الناس لأنهم صدقوه بسرعة ودون تمحيص أو تدقيق من قبل السلطات الفتية، إذ يورد مثالا آخر لرجل يدعى الشريف السوماتي، يقول إنه كان قائدا سابقا في قرية خميس الساحل، قيل في ما بعد إن أحد المتظاهرين كان مدينا له بمبلغ من المال عجز عن تسديده فدبر له مكيدة حتى يتخلص منه، وهكذا تم قتله بتهمة أنه خائن للوطن.
ياسين قطيب

تعليق واحد

  1. لا يمكن ان نلوم سلطات الحماية والاستعمار على قتل المغاربة لبعضهم البعض بتهمة الخيانة سنة 1956 لان المغاربة يطالبون بالاستقلال ولا يريدون لا وصاية ولا انتداب فرنسا واسبانيا لهم وعليهم ..المغاربة وحدهم يتحملون هاته الجراءم التي وقعت فجر الاستقلال واول من يتحمل المسؤولية قادة حزب الاستقلال انداك لانه كيف يعقل ان يؤطروا الشعب ويجيشوه ضد السلطات الفرنسية بمظاهراتهم ولا يقدرون على التحكم فيه وهم واتباعهم كانوا -مثل اليوم -في جميع ربوع المملكة ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى