fbpx
مجتمع

سبتة…مدينة بوجهين

الأوربيون يستوطنون وسط المدينة الراقي والمسلمون يعيشون في تجمعات مغلقة بالأطراف

كان مساء يوم جمعة عندما قررنا الذهاب إلى مدينة سبتة  المحتلة، أخبرنا بعض سكان مدينة تطوان المجاورة والمعتادين على زيارة المدينة المحتلة أننا اخترنا الوقت غير المناسب للزيارة إذا كان هدفنا التسوق، خصوصا الأمور المتعلقة بمستلزمات المنزل. استغربنا الأمر لاعتقادنا بأن المدينة تخضع للنظام الأوربي في ما يتعلق بأوقات العمل، لكن التأثير الإسلامي

في المدينة، التي ترزح منذ حوالي أربع مائة سنة تحت الاحتلال الإسباني، ما زال حاضرا بشكل قوي، خصوصا في أوساط مسلمي سبتة، الذين يعيشون في مدينتهم ومدينة أجدادهم لاجئين رمت بهم قوارب الموت إلى بلد لا ينتمون إليه.

اقتربت السيارة التي كانت تقلنا من مدخل المدينة، وبدأ يلوح شاطئ سبتة، الذي يشكل طوقا يحد المدينة من جهة الشمال والشرق والغرب، بينما تحدها من الجانب الجنوبي الشرقي الحدود الاستعمارية والجمارك المغربية والإسبانية، التي لا بد من المرور عبرها للدخول والخروج من المدينة المحتلة، ولم نضطر إلى الانتظار طويلا لإتمام إجراءات الدخول، فالفترة ليست فترة تخفيضات في المحلات التجارية الإسبانية، وبالتالي فالدخول المغربي إلى المدينة، ينخفض بشكل ملحوظ. أما بالنسبة للذين يدخلون المدينة راجلين، فيبدو أن المحنة تظل ذاتها في كل فترات السنة، عند اجتيازهم الممر الطويل المؤدي إلى المدينة، والمحاط بسياج حديدي يذكر بالسجون الأمريكية والصور التي تتداولها وسائل الإعلام لمعتقلي غوانتانامو.

حكم إسباني وحضور مغربي
في مدخل سبتة، يصطف الحي السكني الخاص بمسلمي المدينة، على هضبة مرتفعة تطل على الجانب المغربي من الحدود، وكأن سكان المنطقة يودون الحفاظ على الرابط التاريخي والانتماء الذي يجمعهم بالمغرب. وبجانب الحي السكني، يوجد الحي التجاري الإسلامي، الذي، وعند دخوله، قد تظن للوهلة الأولى أنك لم تتجاوز بعد حدود المدينة، فالنسوة بأرديتهن الجبلية الحمراء والبيضاء يتجولن في الطرقات، والمحلات التجارية تشبه إلى حد كبير محلات «الهري» الموجودة في كل المدن المغربية، والمختصة في بيع كل مستلزمات المنزل. كانت أغلب المحلات مغلقة، كعادتها مساء يوم الجمعة، اللهم بعض المحلات التي تعود ملكيتها إلى إسبان، أو بعض الذين صفوا بضاعتهم لبيعها في الشارع، كأي سوق شعبي مغربي. وفي هذا الحي التجاري، لا حاجة للمشتري المغربي للذهاب إلى محلات الصرف، لأن الدرهم كما الأورو، عملتان متداولتان في التعاملات التجارية، وبإمكان المشتري أداء ثمن البضاعة التي يقتنيها بأي عملة أراد، كما أنه لا حاجة للمغربي إلى الرطن بكلمات إسبانية أو استعمال  لغة الإشارة للتفاهم مع الباعة، لأن أغلبهم مغاربة مسلمون، أما القلة الإسبان، فالإشارة باليد إلى المنتوج أو النطق باسمه قد تكون كفيلة بتسهيل مهمة التواصل معهم، وقد يخبرك أحدهم صراحة، عندما تهم باقتناء منتوج غذائي بأنه استعملت فيه مواد مشتقة من لحم الخنزير.    
في هذه المحلات، يباع كل شيء، ابتداء من مساحيق الغسيل ومنظفات المنزل إلى ملابس النوم والأطعمة المعلبة والحلويات، وبأثمنة أقل من تلك التي تباع بها هذه المنتجات في الأسواق الممتازة داخل المدينة. أما الراغبون في اقتناء ملابس من المحلات الراقية، فعليهم التوجه إلى وسط المدينة.

وسط المدينة…نظافة ونمط أوربي
يبعد وسط المدينة عن مدخلها مسافة ليست بالقصيرة. محطة الحافلات الموجودة في المدخل تتوقف فيها الحافلات المؤدية إلى مركز المدينة، أما المعتادون من المغاربة على الدخول إلى المدينة بسياراتهم، فإنهم اعتادوا أيضا على ضرورة احترام قانون السير، بدءا من علامة قف، إلى التوقف إجبارا عند ممرات الراجلين إذا كان أحدهم يهم بالعبور، فرغم أن المدينة مغربية التاريخ والجغرافيا، إلا أنها خاضعة للسيطرة الأوربية وبالتالي فالقوانين الأوربية بصرامتها، هي السيدة هناك.
أول ما يلفت الانتباه نظافة وأناقة مركز المدينة الصغيرة، مقارنة مع الحي العربي، وفي هذه المنطقة، تصطف المحلات التجارية الأنيقة التي، وعلى عكس المحلات العربية، تخضع للتوقيت والعطل الأوربية، وبالتالي، فيوم الجمعة لا يختلف، بالنسبة إليهم عن باقي أيام الأسبوع. وفي هذه المحلات، تعرض الملابس الراقية بأثمنة لا تختلف كثيرا عن أثمنتها في مدينة الدار البيضاء، الأمر الذي قد يدفعك للتعجب باعتبار التباين بين مستوى دخل الفرد الإسباني والمغربي. وبالنسبة ل»خبراء» سبتة، فالأثمنة ليست منخفضة كثيرا في هذه الفترة، بالنظر إلى الانخفاض الكبير الذي تعرفه في فترة التخفيضات، المعروفة ب»الريباخا»، والتي تظل «ريباخا» نهاية السنة أهمها وأشهرها. وغير بعيد عن المركز، توجد بضعة مراكز تجارية وأسواق ممتازة، تعرف حركة تجارية دؤوبة طيلة أيام الأسبوع، وبشكل خاص خلال نهاية الأسبوع وفترة الأعياد.
بعد مرور فترة على وجودك في المدينة، تجد نفسك تنظر إلى الساعة تأهبا للمغادرة، فالمغاربة الذين يدخلون سبتة بفيزا سنوية خاصة بالمدينة أو فقط بجواز السفر عليهم مغادرتها قبل منتصف الليل، وإذا تجاوزوا الوقت المسموح لهم فسيجدون أنفسهم في وضعية صعبة ويعتبرون في نظر القانون الإسباني «حراكة»، يقيمون بصفة غير شرعية فوق أراض إسبانية. سلكنا طريق العودة باتجاه مدخل المدينة. لم نضطر إلى السؤال عن الطريق، فإحدى اللافتات في وسط المدينة كانت كفيلة بأن تدلنا إلى الطريق الذي نسلكه، وتخبر المار الراغب في مغادرة المدينة، بأن يسلك اليمين إذا كان يرغب في الاتجاه إلى «المغرب»، وتذكر، الناسي أو المتناسي، بأنه يقف فوق أرض، رغم انتمائها جغرافيا إلى إفريقيا، فإنها تقع تحت السيطرة الإسبانية.

صفاء النوينو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى