ملف الصباح

عزيزة… دخلت البيت “متعلمة” وغادرته زوجة

“بالكاد أتذكر عائلتي، والدي وإخواني، حتى مسقط رأسي، أكاد لا أعرفه، بسبب ندرة عدد الزيارات”، تقول عزيزة المرأة التي شارفت على إنهاء عقدها الثالث. تعود عزيزة بذاكرتها سنوات إلى الوراء، تحاول عبثا تذكر اليوم أو اللحظة التي انفصلت فيها عن عائلتها في إحدى البوادي المتاخمة لفاس، لتنتقل لخدمة عائلة، قيل لها إنها تربطها بأبويها صلة قرابة بعيدة.
كانت عزيزة الطفلة، التي لم يكن يتجاوز عمرها عشر سنوات آنذاك، مهمتها، تتلخص في مرافقة مشغلتها، تلك المرأة العجوز، والاهتمام بحاجاتها، فضلا عن أعباء تنظيف المنزل، “صراحة، في السنوات الأولى لم أكن أقوم بالكثير من الأعمال، فقط جلب الأغراض، وترتيب أخرى، ترتيب البيت، في حدوده الدنيا، أي أعمال بسيطة جدا، لم تكن ترهقني في الواقع، فمهمتي الأساسية كانت مرافقة المرأة، التي كنت ألقبها ب”مي فاطمة””. كانت عزيزة لا تفارق للحظة “مي فاطمة”، تقتسمان غرفة النوم ذاتها، تساعدها على قضاء أبسط حاجاتها، بما فيها التوجه إلى المرحاض، في المقابل تقر عزيزة نفسها أنها كانت محط اهتمام وعناية من جميع أفراد العائلة، مادمت “مي فاطمة”، الوالدة لستة أبناء ممتنة لخدماتها. “حتى أن “مي” كانت تعاقب أحفادها إن هم رفضوا أن أشاركهم باللعب، طبعا بعد أن أفرغ من مهامي، فضلا عن سفريات الصيف التي كان من غير الممكن إطلاقا التخلي عني، سيما أنني لم أكن أرغب بزيارة أهلي وأفضل صراحة مرافقة أبناء مي فاطمة للاصطياف”.
وبتوالي السنوات كانت مهام عزيزة تزداد. لم يعد من واجبها فقط العناية بالجدة التي أنهكتها السنون وجعلت احتياجاتها تزداد، أصبح من واجبها أيضا مساعدة ابنة مشغلتها، في أعباء البيت، وجلب حاجيات المنزل من الخارج، والطهو، وغسل وكي الملابس، أعباء تتضاعف أكيد بحلول العطلة، التي يتحول خلالها بيت “مي فاطمة” ملتقى لجميع الأبناء والأحفاد، كل هذا لم يكن يمنع عنها وابلا من السب والضرب إن هي أخطأت التصرف، أو التأخر في جلب الأغراض من خارج المنزل. تضيف عزيزة، التي أصبحت اليوم زوجة وأما لطفلة تقترب من الثالثة من عمرها، أنها كلما تعرضت للعقاب، كانت تتذكر بقوة عائلتها، تلعنهم أحيانا على تركهم لها، وتأمل عودة والدها ليصطحبها، حينا آخر، “لكن في الواقع، علمت أن العقاب كان لمصلحتي، فمي فاطمة، كانت قاسية بطبعها، ولأكون منصفة، قسوتها كانت مع الجميع، حتى مع أبنائها، الذين شعرت أني واحدة منهم”. ورغم مرور خمس سنوات على وفاة “مي فاطمة” وانتقال عزيزة للعيش مع زوجها بالقنيطرة، الزواج الذي كان أصلا من تدبير مشغلتها وبمباركتها، ظلت عزيزة مصرة على استمرار العلاقة بينها وبين أبناء مي فاطمة.
هجر المغلي

مواضيع الملف:

مريم: مشغلتي مثل أمي

العمال المنزليون… العبودية المقننة

القانون لا يحمي الخدم

قانون الخادمات…11 سنة من الصراع

الضرورات تبيح “المحظورات”

صعوبة رصد الانتهاكات

سهام…رهينة “سمسار”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق