fbpx
افتتاحية

بشاعة

البشاعة التي أغرقت جل الشوارع والأزقة والساحات الكبرى وأماكن تجمع الأزبال والحاويات، منذ يوم العيد، لا ينبغي أن تمر مرور الكرام، ولا ينبغي التسامح معها، لمجرد أن هناك عمال نظافة وشركات وجماعات ومقاطعات «أخفوا» الكثير منها.
إنها «حالة» تسائلنا جميعا، وتضعنا من جديد أمام المرآة، وتذكرنا بأننا شعب يفتقر إلى الحد الأدنى من اللياقة في التعامل مع محيطه وبيئته. شعب لم يتعلم بعد كيف يتعاطى مع أزباله ومخلفاته ونفاياته ولا يحسن التخلص منها، وأقصى ما يمكن فعله إبعاد الأذى عن منزله… وبعده الطوفان.
في عيد الأضحى، يظهر أغلب المغاربة على «فطرتهم» وحقيقتهم المطلقة، ويقدمون الدليل القاطع أن بينهم وبين برامج التوعية البيئية والحفاظ على نظافة المحيط والتعاطي مع الأزبال سنوات ضوئية، كما يشكل هذا العيد مناسبة تخضع فيها قيم التربية على البيئة لامتحان عسير، وأن ما تعلمته أجيال من المواطنين داخل الأسر والمدارس ودور الشباب ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والبيئية لا يعدو مجرد «كذبة»..للأسف.
فالمغاربة الذين يذهبون جماعات إلى صلاة العيد ويلبسون أحسن الثياب ويتعطرون بأحسن الروائح ويتأدبون في الحديث وتوزيع المعايدات والتهاني والأماني ويحافظون على الشعيرة بحذافيرها، هم أنفسهم الذين لا يتورعون في إحداث الأذى بإخوانهم «في الإسلام» والإضرار ببيئتهم ومحيطهم ويلقون بالأزبال كيفما اتفق وفي أي مكان، رغم وجود ضوابط وطرق وحاويات وأماكن مخصصة لذلك.
فهذا التباين بين القول والفعل والسلوكات الفردية، يطرح أكثر من علامة استفهام، ويجعل، من برامج «إعادة تربية المغاربة» أولوية وطنية، قد تسبق، في بعض الأحيان التعليم والصحة والعدل وأشياء أخــــرى.
فلا يمكن في كل الأوقات إلقاء اللوم على شركات النظافة ومسؤولي المدن والمراكز الحضرية ودورها في الحفاظ على النظافة وجمع الأزبال، رغم وجود مشاكل كبيرة في هذا القطاع، بل ينبغي أيضا الانتباه إلى سلوك المواطنين وما ينتجونه يوميا من علاقات متوترة مع المحيط والبيئة.
إن النظافة والحفاظ على البيئة ليسا مجالا محفوظا للدولة والجماعات المحلية، بل منظومة متكاملة من التربية والوعي والتدريب عليه، تبدأ من فضاء الأسرة والبيت، وتلتقي مع المقررات المدرسية وبرامج مؤسسات التنشئة الاجتماعية والبيئية، وصولا إلى مواطن صالح يعتبر في قرارة نفسه أن رمي منديل، أو عقب سيجارة في الشارع جريمة تربوية وبيئية لا تغتفر.
إن الشعوب والمجتمعات التي قطعت أشواطا في التقدم والرقي والحضارة، لم تفعل ذلك فقط بالمال والاقتصاد والبحث العلمي والصعود إلى القمر، بل بالاستثمار في الإنسان والوعي بأن ما يميز هذا المخلوق عن باقي مخلوقات الله الأخرى، نوعية علاقته بمحيطه ومجال عيشه والحفاظ عليه.
فالخيار مفتوح الآن: إما أن نكون بشرا محترمين…أو لا نكون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق