fbpx
ملف الصباح

الرشوة والفساد… فيتو إصلاح العدل

المواطن فقد الثقة في الإصلاح ودار لقمان على حالها

حملت أغلب الخطب الملكية، إشارات قوية بضرورة إصلاح العدل بصفة عامة وإصلاح القضاء بصفة خاصة، بل إن الخطاب الملكي لذكرى ثورة الملك والشعب في 2009، حدد مكامن الخلل في القطاع وأعطى الحلول الضرورية لإنقاذ العدالة من السكتة القلبية التي أصابتها، وانصبت خطب أخرى على ضرورة جعل القضاء في خدمة المواطن والتي اتخذت شعارا علق على مداخل المحاكم، دون أن تترجم على أرض الواقع، وجاء بعدها ما سمي الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة والذي جندت له كل الطاقات لأجل تشريح الوضع ومنح الحلول الحقيقة لما يعانيه القطاع، لكن لاشيء بعد خروج توصياته أعاد للمواطن الثقة في ذلك الجهاز الحيوي، بل بقيت دار لقمان على حالها، وازداد مؤشر عدم الثقة في العدالة والقضاء بصفة أخص أمام ما يعانيه المواطن من هضم للحقوق والإحساس ب”الظلم والحكرة”، وانتشار ثقافة “دهن السير يسير”، رغم كل برامج الإصلاح التي يتم تداولها وتنفق عليها ملايير الدراهم.

الواقع المبهم الذي تعيشه العدالة اليوم، يعتبره جلال الطاهر المحامي بهيأة البيضاء، هو نتاج عملي للفساد الذي ينخر جل مؤسسات المجتمع، فالفساد هو بنية داخل الدولة يتعاون في ما بينه سواء بشكل ظاهري أو خفي على جميع المستويات ومكونات الدولة، وتشابك المصالح قد يعقد من إمكانية محاربته، على اعتبار أنها تتضامن في ما بينها لمحاربة كل المساعي للقضاء عليه، سواء تعلق الأمر  بقطاع العدل أو غيره، وأكد المحامي أنه بالنسبة لقطاع العدل الذي يشكل مرآة المجتمع في الاستقرار والديمقراطية، فإنه رغم كل برامج الإصلاح التي انخرط فيها المغرب من عقود للنهوض بهذا القطاع إلا أن هناك دائما صداما مع ما يسمون بجيوب المقاومة التي تحارب ذلك الإصلاح لأنه لا يخدم مصالحها الخاصة بالدرجة الأولى وهو ما يتضح بالملموس في جميع أركان القطاع  بدءا من الدرك والأمن ومرورا بممتهني العدالة وصولا إلى القضاء، فالفساد الذي ينخر تلك الأجهزة يساهم في ما يعيشه المغرب من وضعية كارثية تبوئه مراكز متقدمة في التصنيفات العالمية بشأن الرشوة والفساد، واعتبر جلال أن هناك ظواهر عينية تؤكد أن الفساد ينخر قطاع العدالة ويساهم في عدم ثقة المواطن فيها، يتمثل بالدرجة الأولى في  الاغتناء الفاحش لعدد من القضاة والمحامين والخبراء والموثقين وغيرهم من  ممتهني العدالة، والذي يمكن من خلاله الوقوف على الخلل الذي يعانيه الجهاز برمته.

في حين يعتبر عبد الصادق السعيدي عضو المجلس الوطني للنقابة الديمقراطية للعدل، أن الفساد بقطاع العدل بات ظاهرة معقدة تتداخل  فيها أبعاد متعددة بين الثفافي والسياسي والاقتصادي والاجتماعي، وهو سؤال يمتد نحو المستقبل اعتبارا لما أصبح يساور الجميع من قلق متزايد إزاء ما ينجم عن الفساد من آثار على النمو والتنمية، بل وعلى الناس ونوعية عيشهم، وقطاع العدل باعتباره يحقق اتصالا وتواصلا يوميا مع عدد كبير من المواطنين كما هو الحال بقطاع الصحة والأمن يجعل العديد من الاستطلاعات والتحقيقات التي يتم إنجازها عن الرشوة تضعه على رأس القطاعات،  والحال ان الفساد أضحى مشكلا بنيويا ينخر كل مؤسسات الدولة. إن تسليط الضوء على قطاع العدل سواء إعلاميا أو في التقارير الوطنية بسبب الرشاوى الصغيرة التي يدفعها المواطن للموظف أو القاضي في حياته اليومية ويتم تصويرها وتسويقها كما لو كانت انجازات رائدة في محاربة الفساد، علما أن الدولة خلقت في مرحلة ما من هذا النوع من الرشوة شكلا من أشكال التضامن الاجتماعي بين الفئات،  بل ويدخل في مجال الهبات والعطايا، بينما تظل الرشاوى الكبرى تمر في الأروقة المغلقة وتؤثر سلبا على سير العدالة.  ويؤكد السعيدي أنه “عندما يقتنع المواطن والمستثمر بوجود الفساد في مستويات عليا نصل لأخطر نتيجة نعيشها اليوم، أن يعمل المواطن على التطبيع مع الرشوة واعتبارها كما لو كانت أمرا عاديا بل وضروريا”.

كريمة مصلي

ربط المسؤولية بالمحاسبة

يرى جلال الطاهر أن الحل لما يعيشه المجتمع في عدم الثقة في العدالة  يكمن في ضرورة  إخراج النص الدستوري المتعلق بربط المسؤولية بالمحاسبة إلى الواقع وتطبيقه بشكل سليم في مواجهة الكل كيفما كان موقعه، إضافة إلى إيجاد حل حقيقي لمشكلة تنفيذ الأحكام والتي تنزع هي كذلك الثقة من مؤسسة القضاء فهناك العديد من ملفات محاكمات المال العام التي عوض أن تعطي الدرس في محاربة الفساد، أضحت مجرد مسكنات مل منها المواطن ولم يعد يثق في جديتها في محاربة الفساد، والمسألة المهمة التي يرى جلال الطاهر أنها يمكن أن تنقذ الدولة مما هي فيه ليس في إصلاح العدالة أو الإدارة فقط، بل إصلاح مؤسسات الدولة من خلال برنامج واضح وإعادة الاعتبار لتكافؤ الفرص للقضاء على الإحساس ب”الظلم والحكرة”، التي يشعر بها المواطن المغربي وفي مقدمةا ذلك العدالة، على اعتبار أن التشريع يكون  في غالب الأحيان منصفا، إلا أنه يتم إفراغه من محتواه نتيجة أحكام تفقده المصداقية.

تغيير العقليات ضرورة ملحة

يعتبر عبد الصادق السعيدي أن الإرادة السياسية على عكس خطابها الرسمي غيبت البعد الإستراتيجي في محاربة الفساد بقطاع العدل، وأول عناصر هذا البعد يتعلق بمدى قدرة هذه الإرادة على دعم الإستراتيجية الوطنية لمحاربة الفساد والتي شكلت أرضية ملموسة للمحاسبة والمراقبة ومنحها القوة اللازمة، بدءا من متابعة الفاسدين مهما كانت مناصبهم ومواقعهم، فضلا عن دور المنظمات المهنية بالقطاع والتي منوط بها اليوم إعادة الاعتبار للقيم الإيجابية لدى مرتفقي العدالة من خلال العمل على تغيير العقليات وتصحيح أنماط السلوك مما يقلص من حدة التطبيع مع الفساد، وهو أمر صعب جدا لكنه غير مستحيل، خاصة إذا واكبه تطوير للترسانة القانونية وتكريس مبادئ المحاسبة، والأهم إقرار نظام تربوي يعيد الاعتبار لقيم النزاهة والشفافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق