fbpx
افتتاحية

“القضاء ” على الاستثمار

لا تكفي الإرادة السياسية لضمان تدفق الاستثمار الأجنبي. فالتسهيلات الضريبية والإجراءات الإدارية واللجان الوزارية، والإصلاحات الاقتصادية تدابير يبطل مفعولها قضاء فاقد للثقة.
فقضية واحدة أمام القضاء كفيلة بالإجهاز على مجهود سنوات طويلة من التخطيط والبرامج الحكومية. وتذكرنا الأبجديات الاقتصادية أن الاستثمار يحتاج إلى مناخ يجلبه، والمستثمر الأجنبي لا يغامر إلا إذا تأكد من وجود قضاء مستقل يلتزم بالنصوص القانونية ويضمن العدل والمساواة.
ماذا حدث بطنجة؟ ببساطة شديدة حكم قضائي سيدفع المستثمرين الأجانب إلى التفكير ألف مرة، قبل أن يودعوا أموالهم بنوك المغرب، ويساهم في استمرار ضبابية العلاقة بين القضاء والاستثمار، ويسمح باستمرار مقولة: “دار لقمان مازالت على حالها “.
خلاصة قضية طنجة تشير إلى أن مستثمرين أجنبيين (روسي وألماني) شجعا مغربيا على إنجاز مشروع مختص في صناعة الأجهزة الرقمية بالمنطقة الصناعية الحرة، ومنحاه قرابة مليار، ثم بدأ المغربي يماطل، وأغلق باب الشركة، واختفى عن الأنظار.
آمن المستثمران بالقضاء لإنصافهما، فتوجها بشكاية إلى المصالح الأمنية التي أوقفت المتهم، بعد صدور مذكرة بحث وطنية، ثم توالت اعترافاته أمام الشرطة، ووكيل الملك، وقاضي التحقيق، وفي جلسة محاكمته اعترف بتوصله بالمبلغ المالي، واستعداده للتفاوض من أجل الأداء.. ثم نطق القاضي ببراءته من تهمة النصب وعدم تنفيذ عقد.
لا أحد فكر في تداعيات حكم قاضي طنجة، وسمعة القضاء المغربي خارجيا، ولا انتبه إلى خطورته، مستقبلا، ودوره السلبي في عرقلة الاقتصاد الوطني، رغم أن الخطب الملكية، طالما دقت ناقوس الخطر، إذ تحدث جلالته في إحداها عن أهمية “إيجاد إطار قانوني ملزم كفيل وحده بطمأنة المستثمر، وضمان مساواة الجميع أمام القانون، وكذا تهييئ مناخ ملائم للمنافسة … “.
قضية طنجة ومثيلاتها عصفت بالخيط الرفيع الذي يربط بين القضاء والاستثمار، لكنها في العمق أعادت النقاش حول استقلالية السلطة القضائية عن باقي السلط، والأكيد أن علاقة القضاء المتشعبة تمس جوهر باقي المؤسسات الدستورية، فحكم البراءة في طنجة ينفر المستثمرين، ويُجهض تشريعات البرلمانيين، ويوقع السلطة التنفيذية في الحرج.
استقلالية القضاء تفرض نوعا من المراقبة، حتى لا يفقد المغرب، مستقبلا، بوصلة التحكم في أمنه السياسي والاقتصادي.
وقضية طنجة ناقوس خطر يدق ليذكر المغاربة والمسؤولين بالتعجيل في إصلاح القضاء في عمقه، وليس الاكتفاء بالقشور.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق