fbpx
ملف الصباح

الشارع أكبر “فاعل” في الجيل الحالي

الباحث إيبوركي اعتبر التحرش والاعتداء على النساء تكريس للثقافة الذكورية التي تؤمن بدونية المرأة

اعتبر عمر إيبوركي، الأستاذ والباحث في السوسيولوجيا، أننا اليوم أمام أزمة قيم اجتاحت المجتمعات العربية بصفة عامة، لأنها تعيش شكلا من التحولات الاجتماعية التي تبدو عسيرة، وهي مرحلة الانتقال من مجتمعات منغلقة على ذاتها تعيش على بساطتها وفطريتها، إلى مجتمعات منفتحة اخترقتها المظاهر الحضارية بفعل التقدم التكنولوجي والتواصلي دون أن يكون لديها النفس على مسايرة وتيرة التحولات السريعة، بمعنى أن هذه المجتمعات العربية على اختلاف بعض خصوصياتها، لم تستطع تأهيل نفسها اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا لاستيعاب هذه التحولات.

الانقسام حول الدين
وأضاف إيبوركي، قائلا في اتصال مع “الصباح”، “إذا اعتبرنا اختلاف طبيعة المجتمعات العربية كل حسب خصوصيته، ومساره التاريخي، فالمجتمع المغربي رغم انفتاحه على المجتمع الغربي على الأقل منذ الفترة الاستعمارية، فإن ثقافته كانت دائما تصده عن التأقلم مع قيم الحضارة الغربية، بدافع المحافظة على تلك الخصوصية. فالدين، باعتباره عاملا أساسيا في نشر القيم الإنسانية والمبادئ الأخلاقية النبيلة، انقسم حوله المجتمع إلى فئتين متعارضتين، تشكلان انفصاما ظاهرا: فئة متعصبة متشددة ترفض كل مظهر حضاري يأتي ممن يعتقدون أنه الغرب الفاجر الكافر، وهم أصحاب تمثلات خاطئة باعتبار أن القيم الإنسانية والعلاقات العقلانية هي السائدة في هذه المجتمعات وتعتبر أن كل الأزمات التي تصيبنا آتية من هناك. وفئة وسطى ما تزال تتمسك بالقيم الاجتماعية التي لا ترى فيها تناقضا مع الدين الإسلامي، و كل الحضارة الوضعية، وهي التي تمنح شكلا من التوازن القيمي، وفئة تعيش مظاهر أزمة القيم لأسباب اقتصادية واجتماعية موضوعية، ولها تجليات عديدة برزت كظواهر في المجتمع المغربي”.

المؤسسات لا تقوم بدورها
وحول مظاهر انهيار القيم في المجتمع المغربي، والتي تتجلى في العديد من المظاهر منها التحرش والاغتصاب والعنف في الشارع والمدرسة والجرائم البشعة وانحراف المراهقين وتعاطي للمخدرات ورفضهم لكل مؤسسات المجتمع، وقضاء الشارع، وغيرها، فيعتبر الأستاذ الحاصل على دبلوم الدراسات المعمقة ودبلوم الدراسات العليا في علم الاجتماع تخصص النظريات الاجتماعية، (يعتبر)، أنها مظاهر نشأت في حاضنة اجتماعية وأدت إلى انتشارها، وساهمت جميعها كبنية متفاعلة، تدل على انتقال كثير من القيم من الشارع إلى داخل الأسر وأسوار المدارس، نظرا لعدم قيام بعض المؤسسات بأدوارها، وانعدام الثقة بينها وبين الأفراد.

انتشار الجهل والأمية
وفي تشخيصه للوضع، يقول إيبوركي: “هناك مجموعة من العوامل والأسباب ترتبط بوضعية المجتمع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية. وتتجلى هذه العوامل في التفاوت بين الفئات الاجتماعية الغنية والمتوسطة والفقيرة، بين الوسطين الحضري والقروي، وفي النمو الديموغرافي، والكثافة السكانية، ومستوى التمدرس، وانتشار الجهل والأمية، وكلها متغيرات حاسمة في أزمة القيم، والثورة عليها.
وقسّم إيبوركي العوامل وراء تفكك القيم الإنسانية والدينية في المجتمعات، إلى العامل الاقتصادي كالفقر والعوز وعدم القدرة على تلبية الحاجيات الضرورية، كالسكن المزري وسوء التغذية وانعدام العلاج وقلة وسائل التعليم والترفيه، ثم العامل الاجتماعي، الذي يتجلى، في نظره، في تفكك العلاقات الاجتماعية داخل الأسرة وانهيار وحدتها وتماسكها وتخليها عن القيام بأدوارها.
وأضاف إيبوركي قائلا “نظرا لما تعانيه بعض المدن من أزمة المواصلات فالازدحام يكون مرتعا لشتى أنواع التحرشات ضد النساء والفتيات، وقد انتقلت هذه الظاهرة من الشارع إلى المؤسسات الإدارية وحتى الجامعية، وتجاوز ذلك التحرش اللفظي إلى الجسدي، بحيث ازداد استغلال الفاسدين وعديمي القيم لسلطتهم من أجل إشباع غرائزهم، وإلا كان مصير المستهدفة الطرد، أو الفشل في حال عدم استجابتها. وإذا كانت هذه الظاهرة مثالا على أزمة القيم، فلأنها عمت المؤسسات والشارع ووسائل المواصلات (اغتصاب الفتاة داخل الحافلة)، وذلك تكريس للثقافة الذكورية عن طريق التربية داخل الأسرة حيث الأدوار والسلطة داخلها محددة بوضوح، وناتج عن الاعتقاد بدونية المرأة، واعتبارها موضوعا جنسيا صرفا، وتغييب لكيانها الإنساني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي والسياسي.

مرحلة انتقال عسيرة
وعن مقترحات الحلول للخروج من الأزمة، قال أستاذ علم الاجتماع بجامعة ابن طفيل، “إذا اعتبرنا أن المجتمع المغربي يعيش مرحلة انتقال عسيرة بالطبع من حالة التقليد إلى العصرنة والحداثة، والتي تجلت في ترسيخ حقوق الإنسان، ومنها حقوق المرأة، وحق المواطنة، والانتقال إلى المفهوم الجديد للسلطة، والديمقراطية التي تحكم العلاقة بين الأفراد والمؤسسات، فإن المواطن نفسه لم يرق إلى استيعاب هذه التحولات، ولم يكن مؤهلا للانضباط بين الحقوق والواجبات. فالأزمة إذن، في غياب المؤسسات الاجتماعية، أو عدم الثقة فيها، من هنا يأتي التمرد عليها وبروز ظواهر قد تبدو غريبة على المجتمع المغربي التقليدي الذي كانت فيه السلطة على الأبناء من الأسرة والأب خاصة، والفقيه في المسجد، وكبار السن من الجيران، والأخ الأكبر، والمعلم في المدرسة. أما وقد تغيرت الشروط الموضوعية فقد فقدت هذه الدوائر قيمتها الاجتماعية، وانعدم تأثيرها على الأجيال الحالية، وأصبح التأثير الكبير للشارع، وللصورة ووسائل التواصل الاجتماعي. من هنا لا بد من إعادة صياغة الفرد وفق تنشئة اجتماعية حديثة تستجمع القيم الأصيلة والمبادئ الإنسانية، تنشئة تمارسها كل المؤسسات في تناغم تام دون تعارض، أو انفصام حتى يمكننا أن ننشئ جيلا متصالحا مع ذاته ومع مجتمعه”.
نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق