fbpx
افتتاحية

لبلاد واقفة

أخطر ما يمكن أن تواجهه دولة أن تجد نفسها في قاعة كبرى تفرك أصابعها في انتظار ما يأتي، أو لا يأتي.
سنن الدول الحياة والدينامية والإبداع والاشتغال ومقاومة الموت، ومتى تخلت عن هذه الوظائف الحيوية كان مصيرها الزوال، أو الدخول في حالة من الجمود تكون عواقبه وخيمة على الجميع، والأمثلة أكثر من أن تحصى في دفاتر التاريخ وسجلاته عن دول «فرطت فكرطت».
ومؤكد أن ما يعيشه المغرب، منذ انتهاء الانتخابات التشريعية لأكتوبر 2016، يشبه كثيرا هذه الحالة، إذ تتحالف عوامل ذاتية وموضوعية، وأحيانا نوايا وضع «العصي في العجلة»، للإبقاء على البلاد معلقة في وسط الطريق، لا هي تراجعت إلى الخلف، ولا هي تقدمت إلى الأمام.
ومن يعيد قراءة الخطابات والرسائل الملكية في عدد من المناسبات خلال هذه المدة، يدرك جيدا أن الوضع غاية في الصعوبة والضبابية، ليس فقط بسبب ما يجري في منطقة الريف والحسيمة، بل نتيجة فقدان الإحساس لدى عدد من الفاعلين السياسيين بوجود بلد مؤتمنين عليه سياديا وشعبيا، وبسبب أنانية مفرطة لدى البعض من منطلق «أنا وبعدي الطوفان».
وفي وقت كان المغاربة ينتظرون تفاعلا إيجابيا مع الخطاب الملكي الأخير عن الإدارة العمومية وربط المسؤولية بالمحاسبة وإطلاق دينامية الأوراش والمشاريع المتوقفة يعيد بعض الأمل للمواطنين، اكتفى مجلس الحكومة بتبني المقاربة نفسها، أي تشكيل «لجنة لمتابعة تنفيذ القرارات الملكية» لم يعلن عن أعضائها ولا جدول أعمالها ولا برنامج عملها الذي من المفروض أن يكون استعجاليا.
فإلى حد الآن، مازالت الحكومة المعينة قبل 100 يوم (باستثناء العمل الذي يحسب لوزراء على أطراف الأصابع) في مرحلة ردود الأفعال وانتظار التوجيهات والتعليمات، ولم تنتقل بعد إلى مرحلة أخذ المبادرة وتحمل مسؤوليتها وتنزيل الاختصاصات الواسعة الممنوحة لها في دسـتور 2011.
إن الغياب شبه الكلي للمؤسسة التنفيذية، والبرود الكبير الذي يتعامل به رئيس الحكومة مع الأحداث الكبرى، ما يزيد من ضبابية المشهد، ويدفع المواطنين إلى تبني أقصى مواقف فقدان الثقة في السياسة، والإيمان بلا جدوى الفاعل السياسي، والاعتقاد بأن البلاد يمكن أن تسير دون حكومة وبرلمان ومؤسسات دستورية، وهو أمر أشد خطورة على مشروع استكمال بناء الدولة الديمقراطية.
الضبابية نفسها ترخي بسحبها الكثيفة على المشهد الحزبي، الذي دخل في حالة من التكلس والجمود القاتل، بسبب الاقتتال الداخلي بين الإخوة/الأعداء في عدد من الكيانات الحزبية، وعدم القدرة على التقاط الإشارات، إلى حد تحولت فيه استقالة أمين عام من منصبه إلى «حدث وطني» يحتمل سيلا من التأويلات والقراءات، علما أن قرارا مماثلا يدخل ضمن خانة الطبيعي والعادي في أحزاب لا يشكل لها التداول على المسؤولية أي عقدة.
الجمود نفسه يصيب أيضا المؤسسة التشريعية والمجتمع المدني والإعلام الوطني وباقي المؤسسات الأخرى وجميع الديناميات الاجتماعية الأخر التي انقسمت قسمين: واحد للتطبيل والتخوين والتطرف الشوفيني، واخرى لزرع الفتنة والأشواك في طريق الوطن لمنعه من الانطلاق، والنتيجة أن البلاد توقفت بالكامل، أو تسير بخطى ثابتة نحو التوقف. !!
لسنا من دعاة التشاؤم، لكن من يحب وطنه ينبغي أن يواجهه بالحقيقة، كل الحقيقة، ومن يرى الطوفان قريبا منه عليه أن يخطر به..وذلك أضعف الإيمان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى