fbpx
بانوراما

“الحلايقيـة”… مصـدر الإلهـام الأول

علال… بحر الغيوان ما دخلتو بلعاني
لقبه الكثيرون ب”الفنان الصامت”. يبدو وكأنه لم يكن ينطق إلا من خلال أنامله وهي تداعب آلة “البانجو”، التي كان يروضها كما يشاء. علال يعلى اسم بثقل المجموعة الأسطورية “ناس الغيوان” التي كان أحد مؤسسيها، وحمل على كتفيه وبين أنامله مسؤولية ضبط ألحانها موسيقيا وإيقاعيا ومقاميا. ظل ينأى بنفسه عن الحديث إلى وسائل الإعلام طيلة سنوات طويلة، واعتزل صراعات وفتن المجموعات الغنائية، كما آثر الصمت والإدلاء بشهادته بخصوص العديد من القضايا المتعلقة بمسار المجموعة الأشهر في تاريخ المغرب. في هذه السلسلة التي خص بها علال “الصباح” حصريا، يكشف عن جوانب من سيرته الذاتية لأول مرة.

الحلقة 3
لم يكن المناخ المشبع بالفن الشعبي الذي كانت توفره “الحلاقي” المنتشرة بالحي المحمدي، يمر دون أن يترك أثره في نفسية علال يعلى، الذي وجد نفسه مسكونا بالإيقاعات والميازن التي ورث جيناتها عن والده.
كما كان علال يغشى “حلاقي” الحي التي كانت تعكس جزءا من العادات والتقاليد الخاصة بالسكان الوافدين على الحي والذين حافظوا عليها في حياتهم اليومية، كما كانت الفنون التي تعطي فيها تقدم لمحة عن المزاج العام للتشكيلة السكانية المكونة للحي.
ومن المشاهد التي يذكرها علال اللحظة التي يتجمهر فيها الناس من سكان مدن الصفيح خاصة كاريان خليفة وكاريان البشير وكاريان العرش وكاريان الرحبة، وبعض سكان درب مولاي الشريف بزنقة “لامنتواز” التي تتوسط مدن الصفيح جنوبا، ودرب مولاي الشريف شمالا، من أجل مشاهدة بعض الفرق الفولكلورية التي كانت تقدم عروضها المتميزة.
ولم تكن بالضرورة تلك الفرق الفولكلورية تبحث عن المال أو الشهرة أو التكسب، بل في كثير من الأحيان كانت تلك الفرقة مكونة من سكان ينتمون إلى قبيلة واحدة، يغتنمون عطلتهم الأسبوعية من أجل الترفيه عن أنفسهم، وحفاظا على عاداتهم، فيقومون بتلك العروض أمام الناس إرضاء لرغبة مشتركة في الإمتاع والاستمتاع.
ولم يكن أبطال “حلاقي” الحي مجرد موسيقيين أو مغنين شعبيين، بل يتذكر علال أنه في طفولته ومراهقته كان يتردد على “حلقات” حكواتيين ورجال نكتة، مثل “بوغطاط” و”خليّفة” ورجل أسود يدعى “كاكاني” وشخص آخر ملقب ب”بو لبزازل” كان يُرضِع الثعابين والأفاعي.
وكانت تتوزع ال”حلاقي” إلى أصناف متنوعة منها ما هو مختص بالسير التي يستعيد فيها أصحابها سرد مختلف السير والبطولات العربية الإسلامية، أو القصص الخيالية التراثية، كما هو الشأن بالنسبة إلى حلقة “بّا عبد القادر” الذي كان يتخذ من “كاريان السوق” مكانه المفضل ويسرد فيه شذرات من السيرة النبوية وبطولات الملك سيف ذي يزن، أو نماذج من سيرة أبي زيد الهلالي وغيرها في أسلوب دارجي بسيط وممتع ومشوق.
كما كانت هناك حلقات ينطبق عليها وصف “المونولوغ” وفيها يتحلق الناس حول شخص واحد يقوم بإضحاكهم وهو يتطرق إلى مواضيع يهدف منها إلى انتقاد وضعية ما، أو يلقي بنكتة، أو يحكي عن تجاربه الخاصة، أو مواقف غيره بأسلوب ضاحك ساخر.
وكان الحلايقي “بوغطاط” من أبرز الأسماء التي ما زالت عالقة بذاكرة علال يعلى، ومعه العديد من أبناء الحي المحمدي، الذين يذكرون هذا الرجل الذي رغم بساطة الإطار الذي كان يقدم من خلاله فرجته، إلا أنه كان يوجه نقدا لاذعا للعديد من الظواهر الاجتماعية، ويستعمل في ذلك مجموعة من الأدوات منها دمية يربطها بخيطين مدقوقين إلى طرفيها بمسمار، ثم يأخذ في استنطاقها ويصرف خطابه النقدي إزاء مفارقات الواقع والناس.
إعداد: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى