بانوراما

مسلسـل معانـاة الأسـرة

سجناء الإرهاب

هم سجناء اعتقلوا بتهم ليست عادية، اقترن اسمهم بملف حساس يحمل عنوان “الإرهاب”. وهو الملف الذي غير مسار حياتهم وجعلها تنقلب رأسا على عقب، سواء أثناء السجن أو بعدما غادروه بانتهاء مدة العقوبة.
من خلال السلسلة التالية سيتم تسليط الضوء على أهم المحطات في مسار هؤلاء المعتقلين وكيف تم سجنهم بتهم تقشعر لها الأبدان، كما سيكتشف القراء من خلال هذه السلسلة أسرارا ووقائع يتحدثون عنها لأول مرة إضافة إلى صرختهم من أجل إنصافهم وفتح صفحة جديدة عنوانها “المصالحة الحقيقية لإدماج السجين”.
الحلقة 6

في 15 ماي 2013 تسلم مصطفى الحسناوي ورقة من قبل رجل أمن في دائرة الحي الذي يقطنه بسلا، يخبره فيها بضرورة التوجه إلى مركز الأمن بالبيضاء. وفي اليوم الموالي، توجه إلى المكان المقصود، وفي طريقه، اتصل بمحاميه وأصدقائه الحقوقيين لاستشارتهم في المستجد، وقام دفاعه بتنبيهه إلى ضرورة معرفة التهمة الموجهة إليه وأن لا يخاف من أي شيء لأنه يمكن أن يكون الأمر يتعلق بإجراء روتيني فقط.
وعند وصول مصطفى، سأل رجال الأمن حول التهمة الموجهة إليه، فتلقى إجابة مضمونها أنه لا توجد أي تهمة، وأن كل ما في الأمر أنهم يريدون فقط استفساره عن بعض الأمور، إذ كان التحقيق معه منصبا حول كتاباته.
«في البداية لم يكن الحديث عن أي جريمة إرهابية، بل كان التحقيق معي منحصرا في كتاباتي التي تجاوزت الخطوط الحمراء، وعلى بعض علاقاتي، وهو ما جعلني أفسر ذلك بأن وظيفتي الإعلامية تحتم علي ربط علاقات متعددة مع جميع الأطياف والأفراد داخل المجتمع سواء كانوا يساريين أو ملاحدة أو يهودا أو إسلاميين. وبعد انتهاء التحقيق، تمت إحالتي على قاضي التحقيق، لأتفاجأ بأن التهمة هي الإرهاب وتهديد الأمن في إطار مشروع جماعي»، يحكي الحسناوي.
يتذكر الصحافي المشاغب تفاصيل انتهاء التحقيق معه وإخبار عائلته بالتهمة الموجهة إليه «خلال حلول الساعة التاسعة ليلا. وبعد التعب الشديد الذي لحقني من طول مدة التحقيق معي، استأذنت المحققين المغادرة والرجوع في الغد، إلا أنهم رفعوا في وجهي إذن النيابة العامة الذي يأمر باحتجازي، وبعد الحادية عشرة ليلا اتصلوا بعائلتي لإخبارها أنني سأكون في ضيافة الأمن، وهو ما شكل صفعة قوية لأسرتي لأنها كانت تنتظر رجوعي من التحقيق».
وأضاف المعتقل السابق «لم أتقبل القرار، وتمت مواجهتي بأن الأمر يتعلق بخلية إرهابية، وهي تهمة مضحكة جدا إذ لو تم اعتقالي رفقة أربعة آخرين وحاولوا أن يجدوا رابطا بيني وبينهم كان يمكن أن أتقبلها، لكن أن يتم سجن شخص معروف بمواقفه ولا علاقة له بالإرهاب والعنف رغم أن لديه خلفية إسلامية ومواقف من النظام، لم يكن ذلك مقبولا مني ولا من قبل المحيطين بي ومعارفي».
وكشف الشاب مصطفى أن معاناة عائلات المعتقلين تبدأ من لحظة الاعتقال إلى حين مغادرة السجن، فبمجرد أن تنزل العقوبة على الشخص المعني بها تمتد إلى عائلته بكاملها، سواء تعلق الأمر بأبويه أو زوجته أو أبنائه أو إخوته وأقاربه، مشيرا إلى أن الإشكال لا يوجد في أن يكون السجين داخل مؤسسة سجنية قريبة من عائلته وإنما المعاناة تتضاعف عند تنقيله إلى مدينة أخرى وعند السفر والوصول إلى المدينة المعنية يجد أهل المعتقل صعوبة كبيرة في إيجاد وسائل النقل المناسبة لملاقاة ابنهم المعتقل.
«تدخل العائلة في دوامة حينما يكون في بعض الأحيان نظام صارم يمنع إدخال بعض الأنواع من المواد الغذائية التي يحتاجها السجين عند كل زيارة، ومسألة المواد المسموح والممنوع إدخالها لا تخضع لضوابط معينة داخل المؤسسات السجنية، إذ يمكن أن تمنع في مدينة ما ويسمح بها في أخرى، وتبقى مسألة مزاجية مرتبطة برغبة موظفي السجن أو رئيس المعقل، وهي حالات عانيناها كثيرا أثناء العقوبة السجنية، وأحيانا يكون المنع مبررا، وهذا الإجراء المفاجئ يعذب عائلة المعتقل»، يحكي الحسناوي.
كشف الحسناوي أن من بين المعاناة التي يعانيها السجين وتمتد إلى شريكة حياته، حرمانهما من الخلوة الشرعية، إذ يمكن أن يتحمل السجين صاحب عقوبة سنة أو سنتين، الأمر، لكن المحكوم ب15 سنة أو 20 أو أكثر لماذا نعاقبه ونعاقب حتى زوجته بحرمانهما من حقهما الطبيعي الذي سنته الشرائع السماوية والقانون؟ وهذا الحرمان له تداعيات نفسية واجتماعية على الأسرة بكاملها».
وأضاف السجين السابق «من المعاناة التي قاسيتها حينما ازداد ابني وأنا في السجن، كيف لا ولحظة استقبال المولود لا تقدر بثمن لكن مصادرة حريتي منعتني من الاستمتاع بتلك اللحظة، وهو ما جعلني أترجم الإحساس بالظلم والألم عبر كتابة مقال عنونته ب»حوار بين مولود ومفقود».
ماضي الاعتقالبعد استنفاد مصطفى الحسناوي عقوبة ثلاث سنوات، واستنشاقه هواء الحرية لم ينعم طويلا بنسائمها، والسبب كان ببساطة «ماضي الاعتقال» وهي العقوبة التي تظل مرافقة له في الحل والترحال، سواء في العلاقة مع أفراد المجتمع أو التعاملات الإدارية لأنه سجله يقول إنه شخص مدان.
«الحمد لله لم يتأثر الناس المحيطون بي بصورة الإرهابي التي يمكن أن يحملها أي سجين بعد مغادرته أسوار السجن، إذ نجحت في تكسير تلك الصورة عن طريق تواصلي الدائم معهم، لكن يظل الجانب الإداري أكثر ما يؤرقني إلى يومنا هذا. خير مثال على ذلك أنني حرمت من البطاقة المهنية للصحافة، بسبب وثيقة شهادة حسن السيرة والسلوك، فبعدما تقدمت بطلب نيل بطاقتي رفض وأخبرت أن السبب الرئيس يتمثل في تلك الوثيقة التي تؤكد أنني مدان، وهو ما جعلني أخبر المكلفين بالنظر في طلبات البطائق المهنية أنه حتى لو لم أكن بريئا فإن عقوبتي استنفدت، فلماذا أظل معاقبا طيلة حياتي حتى بعد مغادرتي أسوار السجن؟ للأسف أي وظيفة تقدمت إليها وأي امتياز سأحرم منه بسبب تلك الوثيقة التي تسجل أن فلانا ابن فلان مدان»، يقول مصطفى.
وبالنسبة إلى موضوع المصالحة والإدماج، اعتبر مصطفى الحسناوي، السجين السابق في ملف الإرهاب، أن المبادرة تظل موسمية وليست مطبقة على أرض الواقع، مضيفا «لا أتحدث عن نفسي لأنني لست بحاجة لمن يقدم يد المساعدة، لكن هناك أشخاصا كثيرين يعانون هذا المشكل، سواء منهم المعتقلون في قضايا الإرهاب أو ملفات الحق العام، أظن أنه يجب تخليصهم من العقوبة الثانية التي تتمثل في عراقيل إدارية واقتصادية.
وكشف الحسناوي أن الحوار مع المعتقلين الإسلاميين لم يكتمل بعد، لأن هناك بعض الجهات التي ترغب في الركوب عليه لأهداف خاصة بها سواء كانت حزبية أو شخصية، وهذا ما يجعل المبادرة لا تعطي النتيجة المرجوة منها، مضيفا «لذلك يجب أن يكون هناك أشخاص مؤهلون ضمن لجنة الحوار وتقديم البدائل حينما يغادر المعتقل أسوار السجن حتى يكون هناك فعلا اندماج حقيقي وليس موضوعا للاستهلاك الإعلامي»، يقول مصطفى الحسناوي.

إعداد:محمد بها

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق