حوادث

الاختصاص النوعي بقضايا الكراء التجاري

التفسير الضيق للفقرة 5 من المادة 5 من قانون المحاكم التجارية تميز بعدم المرونة وأثار مجموعة من المشاكل (3/2)

بقلم:عبد الرحمان اللمتوني *

رغم أن الوجيبة الكرائية تؤثر فعلا في قيمة الأصل التجاري، فلا يجب أن تكون سندا مطلقا للاختصاص، لأن العقد يربط في الغالب بين تاجر وغير تاجر وهو في جميع الأحوال عقد مدني، والمحاكم التجارية وجدت لتطبيق المقتضيات المتعلقة بالنشاط التجاري والتجار، وقضايا ظهير 1955 لم تتناولها مدونة التجارة، ويرى البعض أن المقصود بعبارة المنازعات المتعلقة بالأصول التجارية الواردة في الفقرة5، هي تلك التي تتعلق بالأصل التجاري في مجموعه، أما المنازعات المتعلقة ببعض عناصره ومنها الحق في الكراء موضوع ظهير 24/05/1955، فإنها لا يمكن أن تدخل ضمن الفقرة المذكورة وتختص بها المحكمة الابتدائية، سيمـــا أن الظهير المنظم للكراء التجاري والذي يسنــد الاختصاص للمحاكم الابتدائية لم يتم إلغاؤه أو تعديله بنص صريـح، وأن المواد5-6-7-8-9 و20 من قانون إحداث المحاكم التجارية لم تسند صراحة الاختصاص بقضايا الكراء التجاري لهذه المحاكم.

أمام هذا الخلاف الفقهي والقضائي الذي يتأرجح بين رفض إسناد الاختصاص بشكل مطلق للمحاكم التجارية، وبين رفض سحب الاختصاص منها نهائيا، تميز تفسير محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء و المحكمتين التجاريتين التابعتين لدائرة نفوذها بالبحث في روح التشريع واستلهام النقطة التي يتمحور حولها قانون إحداث المحاكم التجارية، والمتمثلة في أن هذه المحاكم هي محاكم للتجارة والتجار، وفضلا عن أن هذا الاتجاه يتميز بالانسجام مع روح التشريع المنظم للمحاكم التجارية، فإنه يستند على نظريتين عريقتين في فقه القانون التجاري، ويتعلق الأمر بنظرية التبعية التجارية ونظرية الأعمال التجارية المختلطة، حيث اعتبرت محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء أن المحاكم التجارية لا تختص بنظر المنازعات المتعلقة بالكراء التجاري موضوع ظهير24/05/1955، إلا إذا كان طرفا عقد الكراء تاجرين وتعلق العقد بتجارتهما، أما إذا كان أحد طرفي العقد تاجرا، والطرف الآخر غير تاجر،فإنها لا تختص إلا بوجود اتفاق صريح بين الطرفين يسند لها الاختصاص، أو إذا اختار الطرف غير التاجر مقاضاة التاجر أمام المحكمة التجارية، وفي غير هذه الفرضيات فإن قضايا ظهير 24/05/1955 تبقى من اختصاص المحاكم الابتدائية.

ثانيا : توحيد المجلس الأعلى سابقا لتفسير مفهوم الدعاوى المتعلقة بالأصل التجاري و أثر ذلك على التشريع.
لقد أدى تضارب التفسيرات القضائية بخصوص مفهوم الدعاوى المتعلقة بالأصل التجاري و مدى شمولها لدعاوى الكراء التجاري إلى تدخل المجلس الأعلى سابقا لتوحيد التفسير القضائي بهذا الخصوص ، مما جعل المشرع يتدخل بدوره من خلال القانون رقم 49.16 ليضع حدا للإشكال الناجم عن غموض النص وفقا للتفسير الذي استقر عليه الاجتهاد القضائي .
أ‌- اختصاص المحاكم التجارية بقضايا الأكرية التجارية بعد صدور قرار المجلس الأعلى سابقا عدد2248 :
قبل صدور قرار المجلس الأعلى سابقا رقم 2248، تبين من خلال الممارسة أن التفسير الضيق للفقرة 5 من المادة 5 من قانون المحاكم التجارية تميز بعدم المرونة وخلق مجموعة من المشاكل تمثلت أساسا في استبعاد قضايا الكراء التجاري من اختصاص المحاكم التجارية، رغم ما لهذه القضايا من ارتباط شديد بالأصل التجاري ككيان اقتصادي وآلية فعالة من آليات التجارة، و أن الإفراغ من المحل قد يترتب عنه توقف التاجر عن دفع ديونه وخضوعه تبعا لذلك لمساطر صعوبات المقاولة، فتعود الكرة من جديد إلى ملعب المحكمة التجارية، في وقت يكون التاجر قد حرم من امتيازات المساطر الجماعية قبل إفراغ المحل وفسخ عقد الكراء.

وفي إطار هذا الجو القانوني المتسم بميول فقهي وقضائي نحو اعتماد التفسير الواسع للفقرة 5 من المادة 5 من قانون المحاكم التجارية، أتيحت الفرصة للمجلس الأعلى سابقا لكي يبدي موقفه من المقصود بالمنازعات المتعلقة بالأصول التجارية ومحاولة وضع حد للتضارب القضائي في الموضوع، فانتصر للتفسير الواسع للفقرة المذكورة، حيث جاء في قراره عدد 2248 المشار إليه سابقا، أن:» المادة الخامسة من القانون المحدث للمحاكم التجارية أسندت الاختصاص لهذه الأخيرة بالنسبة للنزاعات المتعلقة بالأصول التجارية، وأن حق التوبة يخضع لمسطرة تجديد عقد كراء محل معد للتجارة الذي هو أحد عناصر الأصل التجاري الداخل في النزاعات المتعلقة بالأصول التجارية».

الملاحظ أن المجلس الأعلى من خلال هذا القرار اعتمد التفسير الواسع لنص الفقرة 5 المذكورة، دون قيد أو شرط ، وانطلق في ذلك من فكرة أن موضوع الدعوى هو حق التوبة الذي يرتبط بالحق في الكراء وما دام الحق في الكراء عنصرا في الأصل التجاري، فالنزاع بشأنه هو نزاع بشأن الأصل التجاري، والمجلس الأعلى بهذا التفسير يكون قد رد على الاتجاه الفقهي والقضائي سالف الذكر، والذي فسر الفقرة 5 موضوع الدراسة بأنها تتعلق بالنزاع الذي يكون الأصل التجاري ككل موضوعا له، دون اعتبار النزاعات التي تتعلق بأحد عناصر الأصل التجاري.

عقب هذا التفسير الذي خلص إليه المجلس الأعلى توحد موقف القضاء التجاري حول اعتماد التفسير الموسع لنص الفقرة 5 موضوع الدراسة، وأصبحت المحاكم التجارية تعتبر نفسها مختصة بنظر قضايا الأكرية التجارية، فإذا كانت محكمة الاستئناف التجارية بمراكش قد أسست قضاءها منذ البداية على النحو الذي جاء به قرار المجلس الأعلى عدد 2248، فإن محكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، والمحاكم التجارية التابعة لدائرتها الاستئنافية وبعدما كانت هذه المحاكم تعتمد على الفقرة الثانية من المادة الخامسة من قانون المحاكم التجارية للقول باختصاصها بقضايا الكراء التجاري، أصبحت تستند في اختصاصها على نص الفقرة 5 من المادة نفسها، فهل ساير المشرع اتجاه القضاء عند صياغته لقانون الكراء التجاري؟
ب-اختصاص المحاكم التجارية بقضايا الكراء التجاري في ظل القانون رقم 49.16.

نص مقترح قانون الكراء التجاري ل 2008 في المادة 30 منه على ما يلي: «تختص المحاكم التجارية بالنظر في النزاعات المتعلقة بتطبيق هذا القانون، غير أنه في المناطق التي لا توجد بها المحاكم المذكورة، فإن المحكمة الابتدائية الموجودة بدائرتها المحلات التجارية أو الصناعية أو الحرفية، هي المختصة للبت في النزاعات المتعلقة بهذا القانون».
* دكتور في الحقوق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق