fbpx
بانوراما

إبراهيم لبيض في اليوم الأسود

مغاربة العراق… من الجحيم إلى الجحيم
يطلق عليهم مجازا “مغاربة العراق”، أو مغاربة حرب الخليج، أو المغاربة الذين أمرهم الملك الراحل الحسن الثاني بالتوجه إلى سوريا فور اندلاع حرب الخليج الثانية، إثر اجتياح النظام العراقي للكويت في غشت 1990، فتركوا وراءهم كل ما يملكون وعادوا بحقائب سفر صغيرة، ولم يشكوا لحظة أن الوطن الذي أرسلهم للعمل في إطار عقود رسمية هو نفسه الذي سيتنكر لهم ويحرمهم من مبالغ مالية أقرتها، لفائدتهم، الأمم المتحدة في إطار تعويضات برنامج النفط مقابل الغذاء.في هذه الحلقات، يحكي مغاربة ومغربيات بدايات الهجرة وأسبابها وظروف العمل وتدبير زمن الحرب في العراق والكويت ولحظات الهروب من جحيم كبير إلى آخر أكبر منه.
إعداد: يوسف الساكت

الحلقة الثالثة

يُلقبه أصدقاؤه بـ”اللوين” بسبب بشرته السمراء، ويطلق عليه آخرون اسم “العسكري”، أو “المخزني”، إذ التحق باكرا بصفوف القوات المساعدة، ومنها إلى القوات المسلحة الملكية، وضرب “البلوط” (الرصاص الحي) في فيافي الصحراء لأكثر من ثلاث سنوات ضد مرتزقة بوليساريو.
إبراهيم لبيض، أحد قدماء مغاربة العراق الذين قلبت حرب الخليج الثانية حياتهم رأسا على عقب، ومازالت على هذا الحال إلى اليوم، إذ يجد صعوبة في توفير لقمة عيش أسرته الصغيرة، وقد شارف على عقده السابع.
من مواليد البيتات بيعقوب المنصور بالرباط في 1953، عاش إبراهيم فقيرا لكن “بنفس حارة”، كما قال لي. غادر مقاعد المدرسة باكرا، والتحق بعدد من الحرف، إلى أن استقر به المطاف سنة 1971 بصفوف “المخازنية”، ومن هناك إلى الصحراء التي مكث بها إلى 1979، ثم عاد “مظفرا” من حرب شاقة بالصحراء.
لم يمهل إبراهيم “العطالة” طويلا، إذ سارع إلى تسجيل اسمه وعنوانه في لوائح التشغيل بمكتب العمل في السنة، ولم تمر إلا أيام، حتى وجد نفسه في أول طائرة تابعة للخطوط العراقية على متنها حوالي 130 مغربيا وقعوا عقود عمل لفائدة وزارة الدفاع والتصنيع العسكري للعمل في مجال البناء والنجارة والحدادة والسباكة، مقابل أجر شهري يصل إلى 90 دينارا (حوالي 3800 درهم).
“حطت بنا الطائرة في 1980 بمطار بغداد، ومنه على متن الحافلات إلى معسكر “7 نيسان”، حيث مكثنا مدة في دار الضيافة، قبل أن ينادى علينا من قبل ضباط عراقيين وتوزيعنا على فرق صغيرة، نقلت كل واحدة منها إلى منطقة ومحافظة معينة”.
وجد إبراهيم، الذي كان عمرة آنذاك 27 سنة، نفسه ضمن مجموعة عمال مغاربة توجهوا إلى منطقة النوبعي قرب البلد في اتجاه الموصل، والتحقوا بثكنة عسكرية كانت الأشغال تجري بها على قدم وساق لبناء طوابق تحت أرضية من الإسمنت المسلح لاستغلالها مخازن للأسلحة ومخابئ وإدارات سرية.
في أحد الأيام، سمع صوت اللواء عبد الجبار الفاضلي ينادي على فريق العمل الذي كان ضمنه إبراهيم، وطلب منهم جمع أغراضهم والتوجه إلى “معسكر التاجي”، وهو من أكبر الثكنات العسكرية ببغداد، ومركزا لأهم القيادات العسكرية والضباط الكبار الذين كانوا يترددون عليه، ويثنون على العمل الذي يقوم به العمال المغاربة.
“فوق السلك”

عاش إبراهيم “فوق السلك”، كما قال لي، في عشر سنوات الأولى من عمله ببغداد، إذ كان يوفر حوالي 30 في المائة من راتبه ويبعث بالباقي إلى عائلته بالمغرب، كما كان يستغل فرصة أول عطلة سنوية للعودة إلى الرباط مع أصدقائه، حيث كانوا يقضون أياما ممتعة.
لم يكن إبراهيم يعتقد أن كل ما عاشه كان مجرد حلم جميل استفاق منه، حين قرر الرئيس العراقي اجتياح الكويت في 2 غشت 1990 وإعلانها محافظة عراقية رقم 19 بعد ثلاثة أيام.
“في هذا الوقت، شعرنا أن كل شيء انتهى، خصوصا مع بداية التهديدات الدولية ومجلس الأمن بإخراج العراق من الكويت بالقوة”.
في 1 يناير 1991، انطلقت حرب الخليج الثانية فعلا، وبدأت صواريخ “طوماهورك” تسقط تباعا على المدن العراقية، ومراكزه ومعسكراته، ومنها معسكر التاجي، حيث كان إبراهيم وأصدقاؤه يواصلون عمليات البناء.
“بعد يومين من الحرب، جاء عندنا أحد الضباط، وطلب منا جمع متاعنا ومغادرة القشلة فورا، وحين طلبنا منه جوازات سفرنا، قال لنا بأن علينا الاتصال بوزارة الدفاع في قلب بغداد التي كان مجرد الوصول إليها معجزة، بسبب المتاريس التي وضعت حولها”.
اختار إبراهيم إحدى الحدائق المجاورة وتوسد حقيبته، في انتظار انتهاز فرصة للوصول إلى السفارة، قبل أن يلتحق به عدد من المغاربة الآخرين، ويشكلون ما يشبه اعتصاما صغيرا، انتبه إليه أحد الضباط الذي بادر إلى البحث عن جوازات سفرهم وجلبها لهم. “سألته عن رواتبنا، فنهرني الضابط الذي كان اسمه عادل في ما أذكر، وقال لي ما مفاده: “سير فحالك، واش حنا في الحرب ولا في فلوسكم”، يحكي إبراهيم مبتسما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق