fbpx
ملف الصباح

انقـلاب الأمزجـة والعـادات بالبيضـاء

الكل “على سبة” و”يترمضن” لأتفه الأسباب والكوميساريات والصيدليات والطوارئ في عز نشاطها

يتشابه رمضان، في خطوطه العريضة، عند جميع المغاربة رغم اختلاف مناطقهم، رغم أنهم يتفرقون في ممارسة بعض طقوسه. في البيضاء، مدينة الفوضى والتناقضات والفوارق الاجتماعية بامتياز، يكون لشهر الصيام نكهة خاصة وطعم مغاير. في “الربورتاج” التالي رسم مختصر لملامح أيام وليال رمضانية تبدأ بالمشاكل و”الترمضين” وتنتهي بهما.

الساعة تشير إلى الثامنة صباحا. السكون والهدوء يسودان شوارع البيضاء شبه الخالية. المقاهي والمحلات والأسواق أقفلت أبوابها إلى حين. كل شيء ينبئ بيوم رمضاني روتيني يشبه غيره من أيام الشهر الفضيل، الذي تنقلب فيه العادات رأسا على عقب، وتنقلب معها الأمزجة والنفوس.
مع حلول التاسعة، تبدأ الحركة تدب تدريجيا مع اقتراب مواعد العمل وفتح المدارس أبوابها. السحنات باهتة والأجساد متعبة بفعل السهر، والوجوه مكتئبة. الموظفون والمستخدمون في طريقهم إلى مكاتبهم، والعاطلون عن العمل “يكخّون” على أفرشتهم الدافئة، في انتظار الوقت المناسب للاستيقاظ، على بعد سويعات قليلة من أذان المغرب.
أجواء “القطعة” تخيم على الفضاءات والمكاتب وأماكن العمل. لا أحد يملك “الكانة” ليشتغل أو ينتج أو يستقبل أو يحل مشكلة أحد، وهو لم يتناول فطوره ولا احتسى قهوته الصباحية ودخّن سيجارته. الكل “على سبّة” أيضا و”يتنرفز” لأتفه سبب. لذلك تجد الكل حذرا مع الكل، حريصا منه، مخافة أن ينقلب الهدوء إلى عاصفة، أو معركة من الصعب إخماد نيرانها.

سكارى من شدة القيظ
الحرارة تلعب دورها أيضا في قهر الأجساد، إلى جانب الصيام. لذلك تجد الناس سكارى وما هم بسكارى، من شدة القيظ، يسابقون الخطى من أجل العودة إلى مكاتبهم المكيفة، أو منازلهم، لأخذ قسط من الراحة قد يساعدهم على تحمل ساعات طويلة من الجوع والعطش.
تقول أمينة، موظفة في بنك، في حديث إلى “الصباح”: “تنتهي ساعات العمل بشق الأنفس. في رمضان، تقل ساعات العمل ومعها الإنتاجية، وكأننا في عطلة مؤدى عنها. لا أشعر بالرغبة في الاشتغال بتاتا. وأفضل أن أجزي الوقت في المكالمات الهاتفية ومشاهدة الأفلام على يوتوب، أو القيام بعمل بسيط جدا في انتظار انتهاء موعد الدوام. وأظن أن الأمر نفسه ينطبق على باقي زملائي، وعلى جميع العاملين في وظائف أخرى”.

حمى “الكلاسكون”
بحلول الثالثة بعد الزوال، تبدأ الحركة من جديد في الشوارع والطرقات. إنه التوقيت الذي تبدأ فيه رحلة العودة إلى المنازل. السيارات تسير بسرعة مفرطة والسائقون يسابقون الزمن وتجتاحهم حمى “الكلاكسونات”. الكل يرغب في أن يصل إلى بيته بأقصى سرعة ممكنة. تكثر حوادث السير في هذا التوقيت من نهار رمضان، وتكثر معها معارك الطرق و”المعيار” و”السبان” الذي ينزل إلى “ما تحت السمطة” في غياب أي نوع من الاحترام لشهر التسامح والغفران، الذي يفترض فيه أن يتحلى الصائمون، أكثر من أي وقت مضى، بحسن الخلق والسلوك. “إنه أسوأ توقيت خلال النهار كله. يزداد منسوب العنف بين الناس وتصبح الأوضاع لا تطاق. لا تسامح ولا ابتسامة أو كلمة طيبة. الوجوه كلها عابسة مكفهرة، ويا ويلو، يا سواد ليلو، من فكّر في انتقاد شيء أو الاحتجاج على أمر ما. إنه التوقيت الذي يفضل فيه اللجوء إلى الصمت وغض النظر عن أشياء عديدة، وإلا أكملت يومك في الكوميسارية أو في مشرحة الأموات”، يقول أحد البيضاويين الذين استقت “الصباح” شهادتهم.

شهر “اللهطة”
في مثل هذا التوقيت أيضا، يبدأ الرواج في الأسواق والمحلات التي لا تكسد بضاعتها أبدا خلال الشهر الفضيل. إنه موسم الشراء بامتياز. كل شيء قابل للاستهلاك، رغم أن جزءا كبيرا منه ينتهي في القمامة. “العين اللي كا تشري. أغلبية ما أنتقيه لا نأكله لا خلال الفطور ولا حتى في السحور. يبقى مجرد ديكور لتزيين مائدة الإفطار”، يقول موظف في حديث إلى “الصباح”. ويضيف “في كل سنة، أحاول ألا أقترض من البنك وأستهلك أقل في شهر الصيام، لكنني أجد نفسي غير قادر على حرمان الأولاد من الشهيوات التي يحبونها، والتي تتطلب ميزانية مهمة لا يتحملها راتبي وحده”.
المخبزات ومحلات بيع الحلويات تسجل أهم أرباحها خلال الشهر الفضيل، إذ يصبح الإقبال عليها ظاهرة في حد ذاتها، مرتبطة برمضان. الزحام على أشده والطلبيات كثيرة والفوضى عارمة و”اللهطة” كبيرة، مما جعل بعض أصحاب المحلات يلجؤون إلى وسيلة من أجل تنظيم الزبائن من خلال منحهم أرقاما عند الدخول، قبل الوقوف في طابور الانتظار. تقول مستخدمة في إحدى المخبزات الشهيرة بالبيضاء “تتجاوز الأرقام المائة في ظرف أقل من ساعة. لذلك نضطر إلى الإغلاق قبل الفطور بنصف ساعة أحيانا حتى نلبي جميع الطلبات”.
الشيء نفسه يمكن تسجيله في أسواق الخضر والفواكه والأسواق الممتازة، وفي “رحبات” الزيتون و”مارشيات” السمك والمحلبات و”السويقات”، وحتى باعة العصير على الطريق.
“التشرميل” و”القطعة”
قبيل أذان المغرب، يصل الصبر أقصى “حدوده”، وتبدأ صولات وجولات “المرمضنين” بالأحياء والأزقة وشوارع المدينة. إنها مرحلة “التشرميل”، أخطر المراحل في يوم الصائم. ما أن تخمد نار معركة حتى يستعر أوار أخرى، لأسباب تافهة ولا معنى لها، لكن نتائجها قد تكون وخيمة تصل حد “تخسار الوجه” أو القتل والذبح والسحل، في تجاهل تام لقيمة العفو والتسامح التي من المفترض أن يتبناها الصائم في شهر الغفران. أما “تخسار الهضرة”، فأخف الضررين، وعملة سائدة بشكل أقبح في رمضان.
تبدأ الحركة تخف تدريجيا من جديد. لا طائرا يطير ولا “بنادم” يسير. إنه السكون التام. الكل خاشع أمام مائدة طعامه بعد يوم عسير وطويل من الصيام و”الترمضينة” و”القطعة” و”حريق الراس”. والكل في انتظار هذه الساعة المباركة، التي تتحرر فيها جميع الحواس، بما فيها السادسة والسابعة، وتفتح أبواب الشهوات على مصراعيها، خاصة أن زمن الإفطار قصير، وسرعان ما تنتهي ساعاته ليحل يوم صوم جديد.

نفاق مجتمع
بعد الإفطار، يتفرق الصائمون، كل إلى غرضه. هناك أصحاب التراويح الذين يهلّ عليهم الإيمان فجأة وتنزل عليهم التقوى، فيحملون “صلاياتهم” ويرتدون “قشاشيبهم” متوجهين نحو أقرب مسجد، يسدون منافذ الطرق والأزقة، في منظر معبّر أيما تعبير عن حجم النفاق و”السكيزوفرينيا” التي تسكن مجتمعا يحب أن يعبد الله بالمظاهر، لكنه لا يذكره في سلوكاته اليومية. آخرون، (من بينهم أصحاب التراويح أنفسهم)، يقصدون مقاهي “الشيشة” بعين الذياب، والملاهي الليلية والكباريهات، بعد أن يتزودوا بجرعات محترمة من “المعجون” أو “حاشوشة” أو “البيضة”، يقضون ليلتهم في “الشطيح” و”الرديح” و”التصياد”. المقاهي مكتظة بالزبائن الذين يحرصون على الخروج في توقيت مبكر من أجل حجز أماكنهم في مقهاهم المفضل، وإلا اضطروا إلى الوقوف في انتظار خلو مقعد أو طاولة. النقاشات و”النميمة” و”رياضة العينين” سيدة المكان. والكل “يقتل الوقت” في انتظار موعد السحور.

“الشهيوات”.. Non Stop
المحلبات أيضا وبعض محلات بيع الأكل السريع مكتظة عن آخرها أيضا، رغم أن موائد الفطور لدى جل العائلات المغربية، بغض النظر عن مستواها المادي والاجتماعي، تكون حافلة بما لذ وطاب من أكل و”شهيوات”. يقول أحمد، مسير محل معروف بالبيضاء لبيع العصائر و”الساندويتشات”: “نشتغل مباشرة بعد الإفطار كالعادة، مثل سائر أيام السنة. وأستطيع أن أقول لك أن الإقبال يتزايد في رمضان وترتفع وتيرة الطلبيات لدينا مباشرة بعد التراويح، وإلى غاية موعد السحور”، ويضيف “الناس كا تموت على القص. كا ياكلو مزيان فالفطور، وفالسحور، وكا ياكلو تا بيناتهم باش يعوضو الحرمان ديال النهار. وحنا هاشي فصالحنا”.
لا عجب إذن إن كانت الصيدليات وأقسام الطوارئ داخل مستشفيات البيضاء تزدحم بالمرضى. صاحبة صيدلية مداومة بشارع “المسيرة”، قالت ل”الصباح”، إنها استغربت الطابور الطويل الذي وجدته أمام باب الصيدلية التي لم تكن قد فتحت أبوابها بعد. وأوضحت قائلة “أغلبهم يشتكون المعدة وعسر الهضم والانتفاخ. وكل ذلك بسبب الطريقة غير الصحية للأكل في رمضان، أو بسبب الكميات الكبيرة من الطعام التي يستهلكونها”.
قبيل السحور، تعود الحركة من جديد لتدب بشكل غريب بشوارع البيضاء، خاصة “الكورنيش”. تتسابق السيارات العائدة بعد ليلة “شايخة”، إلى منازلها. “الكلاكسونات” على أشدها. الاكتظاظ نفسه والسباب نفسه و”النرفزة” نفسها. فالمؤذن سيعلن بعد دقائق انتهاء ساعات الإفطار وبدء يوم جديد من الصيام، بالزخم نفسه ، والتفاصيل نفسها.
نورا الفواري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى