fbpx
ملف الصباح

رمضان بضفتي أبي رقراق… تقاليد تقاوم الزوال

استعدادات تسبق الشهر الفضيل وإقبال متنام على المساجد وتبادل الزيارات

شهر رمضان، مناسبة لسكان مدينتين، من أعرق المدن المغربية، اختارتا ضفتي نهر أبي رقراق لتطلا من خلالهما، للحفاظ على تقاليد، يحرص الرباطيون والسلاويون على إحيائها بدنو الشهر الفضيل، وتلقينها للأجيال اللاحقة، لتمسك مشعل أصالة المدينتين، الذي يقاوم مغريات نمط الحياة الحديثة، وما تحمله من مظاهر تغري بالانسياق وراءها.  
طقوس رمضان بالمدينتين الجارتين، تنطلق أسابيع قبل حلول الشهر الأبرك. طقوس وإن غابت عن الأحياء الجديدة للمدينتين ، التي غدت ملجأ للوافدين عليهما من مختلف الجهات والأقاليم، إلا أنها تظل عصية على الزوال بأحياء المدينتين العتيقة. الأخيرة، تشهد، بقرب شهر الصيام، تحديدا شهر شعبان حركية خاصة. النساء يشمرن على سواعدهن، وينخرطن في عملية تنظيف شامل للمنزل، لا تستثني الأغطية والأفرشة وستائر النوافذ أو الزرابي، فيما ينخرط الرجال في عملية إعادة صباغة الجدران. عملية، تقول مي فاطمة، امرأة ستينية من سكان سلا العتيقة، إنها تراجعت في السنوات الأخيرة بحكم أن المنازل ما عادت مصبوغة بمادة «الجير» كما في السابق، بل صار أرباب المنازل يستعملون مختلف أنواع الصباغات، التي تتطلب ميزانيات كبيرة، يستحيل معها إعادة الصباغة سنويا كما في السابق. غير أن ذلك، تستدرك فاطمة، لا يمنع من طلاء الأزقة بالجير، وتزيين واجهات المنازل، «استقبالا لسيدنا رمضان، وإيذانا بحلوله».
وبمجرد الانتهاء من مرحلة التنظيف، تنخرط النسوة في مرحلة جديدة، تطغى خلالها روائح «النافع» و»الزنجلان» و»اللوز المقلي» وباقي المكونات، التي لا تغيب عن أي بيت سلاوي أو رباطي، وترتبط في مخيلة الصغير كما الكبير، ب»العلامات الكبرى»، لاقتراب رمضان الذي لا يستقيم بدون تحضير السفوف والشباكية، «أما الزميتة، التي كانت النسوة يحضرنها عبر مزج أنواع خاصة من الحبوب، بعد تحميصها في الأفران التقليدية وطحنها، فتلك أصبحت في خبر كان»، تضيف مي فاطمة، «هذه الوجبة كانت هي رمز رمضان، ما يمكنش تخطى الطبلة على الفطور، توضع على شكل صبيعات بعد مزجها بالزبدة والعسل، اليوم ولات ماكايناش وحتى حد ما بقا يديرها».
وخلال هذه الفترة، وتحديدا بعد بلوغ النصف الثاني من شهر شعبان، يزداد إقبال سكان المدينتين، سيما الرجال والشباب منهم، على حلقات الذكر والسماع الصوفي وتلاوة القرآن، التي تنشط بالمساجد والزوايا والأضرحة التي تعج بها سلا، استعدادا لاستقبال رمضان وبغية تحقيق الانخراط التدريجي في الطقوس الروحانية التي تعد من العلامات المميزة لشهر رمضان.
ومن العادات التي يحرص سكان المدينتين على الحفاظ عليها منذ اليوم الأول من رمضان، ارتياد المساجد، إذ تتحول، بعد كل صلاة عصر إلى ملتقى للذكر وسماع القرآن، يؤم إليها الآلاف يوميا، يظلون بها إلى أن يصلوا صلاة المغرب، قبل أن يعودا إلى منازلهم لتناول الإفطار، الذي غالبا ما يكون جماعيا يضم أفراد العائلة، وأحيانا الأصدقاء، الذين يجدون في الشهر مناسبة لإحياء صلة الرحم وتبادل الزيارات.
دور المساجد لا ينتهي بانتهاء صلاة المغرب، بل إنها تتحول إلى قبلة الرباطيين والسلاويين بامتياز، مباشرة بعد أذان المغرب، فأغلب سكان المدينتين ملتزمون بأداء صلاة التراويح بالمساجد، والمصليات التي أصبحت تنصب في كافة الساحات والفضاءات الموجودة بالمدينتين، بعدما تعذر على المساجد استقبال الكم المتزايد من المصلين.
ولعل ما يميز شهر الصيام بالمدينتين، طقوس إحياء «ليلة النصف» وليلة القدر، التي لا يغادر خلالهما المصلون المساجد إلا بعد إقامة صلاة الصبح بها، يصلون ويتلون القرآن ويحضرون دروسا ومواعظ دينية، فيما تتنافس النسوة على تقديم «كصعات» الكسكس التي تعج بها هي الأخرى المساجد خلال الليلتين.
هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق