fbpx
بانوراما

داعش امتداد لمشروعية القاعدة

” وكانوا شيعا”

يبحر بك الدكتور إدريس الكنبوري، في عالم الحركات الدينية المتطرفة، ويفكك البنيات الذهنية والسلوكية التي اعتمدت عليها في مقاربتها السياسية المبنية على القتل، من خلال ما خطه من تحليل دقيق في كتابه” وكانوا شيعا”،
الصادرعن دار طوب بريس بالرباط نهاية 2016 .

الحلقة الثانية

إعداد: أحمد الأرقام

مع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام يثار التساؤل مجددا حول مصير تنظيم القاعدة، الذي ملأ الدنيا وشغل الناس طيلة العشرية الماضية، فقد مكن الزحف الميداني والانتشار الأفقي لتنظيم الدولة من استقطاب المبايعة من لدن العديد من الجماعات المقاتلة ـ التي كانت حتى الأمس القريب تنضوي تحت مظلة التنظيم الذي يقوده أيمن الظواهري ـ لصالح التنظيم الذي يقوده أبو بكر البغدادي، وبات مستقبل التنظيم السابق يتوقف على مدى التقدم الذي قد تحرزه الدولة الإسلامية في معاركها المقبلة.
نشأ تنظيم داعش من حضن القاعدة وعلى أطرافها، كتجربة جهادية محلية قادها أبو مصعب الزرقاوي من داخل العراق، وأسس لنفسه عقيدة جهادية مستقلة ترتكز على أدبيات التنظيم الرئيس، لكنها تختطّ مسلكا في الممارسة الميدانية يعتمد تطوير الخطة العسكرية لتنظيم القاعدة، مع تكييفها ميدانيا على أرض العراق، كما يعتمد قراءة جديدة للأدبيات الجهادية لنفس التنظيم، تنزّل المفاهيم المؤسسة للفكر الجهادي ـ وأساسا مفهوم الولاء والبراء ـ على البيئة العراقية التي تتميز بالتعدد المذهبي والطائفي، بعد أن كان تنظيم القاعدة قد منح ذلك المفهوم محتوى دوليا يضع خط المفاصلة في نقطة التقاطع ما بين المسلمين والصليبيين.
الكثير من الدراسات في الفكر الجهادي تنظر إلى التنظيمين من منطلق القطيعة بينهما، لكن مكمن الخلط يوجد في عدم التمييز بين القطيعة التنظيمية والقطيعة التنظيرية، بينما واقع الحال أن القطيعة بين التنظيمين هي قطيعة على المستوى التنظيمي لا على المستوى التنظيري، ذلك أن تنظيم داعش يعتبر نفسه امتدادا لمشروعية تنظيم القاعدة على الصعيد الفكري والعقدي، وتجربة تنطلق مما أنجزه التنظيم في مرحلة مؤسسه أسامة بن لادن لكي يبني عليه مشروعه الجديد، ومن هنا فهو استمرار للأسس النظرية التي أرساها التنظيم السابق. أما على المستوى التنظيمي، فهو يعتبر أن تنظيم القاعدة لم يعد هناك ما يبرر وجوده، بعد إعلان الخلافة، وأن عليه، إذا أراد البقاء ضمن المشروع الجهادي العالمي، أن يلتحق بركب المبايعين للبغدادي، وإلا فعليه حل نفسه.
يعكس الاختلاف بين التنظيمين اختلافا في الباراديغم – أي الإطار النظري- الذي ظل يحرك الفكر الجهادي العالمي خلال الثلاثين سنة الأخيرة. ويمكن تقسيم هذا الإطار النظري إلى قسمين: الأول هو الذي سيطر على الفكر الجهادي منذ نهاية حرب أفغانستان، مرورا بتفجيرات الحادي عشر من شتمبر 2001، إلى مرحلة الربيع العربي، والقسم الثاني هو الذي بدأ مع هذا الأخير ولا يزال مستمرا إلى اليوم، وهو مرشح للتطور التلقائي في حال ما إذا لم يتم التصدي له بكل العدة الفكرية والدينية والعسكرية.
الفكر القومي

مثّل تنظيم القاعدة الشكل التنظيمي الأنسب للمرحلة الأولى. فقد تكون فكر التنظيم في سياق الحرب مع الاتحاد السوفييتي، أي مع العدو البعيد بالمفهوم السائد في الأدبيات الجهادية، ومن ثمة تطور ونما في ظل فكرة القتال ضد الأجنبي، ومن هنا تركيزه على اختطاف الأجانب واستهداف النصارى وتنفيذ هجمات ضد الدول الأوروبية في عمقها الترابي. وبالموازاة مع ذلك، لم يكن التنظيم يشغل نفسه بإنشاء دولة أو إعلان خلافة أو احتلال مواقع والمكوث فيها، بل كان يتسم بطابع متحرك، ويتبع إستراتيجيات متباينة وفق ساحات العمليات التي ينفذها.
وارتكز منهج تنظيم داعش على مقاتلة العدو القريب، وإنشاء “إقليم ـ قاعدة” ـ بالمعنى الذي كان ينادي به الفكر القومي في حقبة الستينات من القرن الماضي ـ حيث يكون منطلقا وموئلا للعمليات الجهادية في مختلف الجهات الأخرى. إن فكرة “المركز” التي كانت لدى القاعدة تعني وحدة المرجعية الفكرية الجهادية، باتت لدى تنظيم داعش تعني مركزا جغرافيا يقف عليه، كنواة للمشروع الجهادي العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى