fbpx
بانوراما

العلم اقتلعني من حضن أمي

أبو حفص… عودة الابن الضال

“عودة الابن الضال”، ليس عنوان فيلم مصري برر هزيمة القيادة المصرية في حربها مع إسرائيل في 1967، وإنما يختزل في معناه الخالي من كوليسترول السياسة، القدرة على مراجعة المواقف والآراء وشجاعة الاعتراف بالخطأ، وكذا العودة إلى الصواب. محمد عبد الوهاب رفيقي، الملقب بـ”أبي حفص”، أحد كبار شيوخ السلفية، الذي تجرأ على طرح الأسئلة الصعبة، وتمرد على واقع عاش فيه لسنوات، وكرس لتجربة حقيقية في المراجعات الفكرية، انتهت إلى تغيير في المواقف، هز آخرها الأرض ولم يقعدها، حول المساواة في الإرث.
الحلقة الثانية

وضع لي والدي برنامجا موحدا طيلة فترة الدراسة الابتدائية، في سياق حرصه على تحصيلي لعلوم الدين والدنيا. كان يومي يبدأ مع السابعة صباحا بالتوجه إلى الكتاب، فضاء حفظ القرآن الكريم التقليدي لدى جميع المغاربة. الحصة تنطلق بتثبيت السور القرآنية القديمة واستظهارها، ثم محو اللوحة وصبغها بالصلصال، وبعد ذلك كتابة السور الجديدة وتصحيحها لدى الفقيه، والانتقال إلى حفظها واستظهارها قبل حلول العاشرة، لأترك الكتاب مباشرة لإفطار سريع وحمل المحفظة على ظهري، متوجها نحو مدرسة البكري لمتابعة دراستي العمومية.
أعود بحلول الساعة الواحدة ظهرا للتقوت والاستراحة قليلا، لأستأنف الحصة المسائية في المدرسة. لا أمكث بعد خروجي على الساعة السادسة مساء، إلا قدر تناول شيء من الطعام لألتحق بالكتاب من جديد، وأستظهر السور على مسامع الفقيه.
قضيت أربع سنوات بين الكتاب والمدرسة، كانت والدتي في حيرة من أمرها بين ما يراه زوجها مصلحة لابنها وتنشئة سليمة له، عواطفها وشفقتها على طفلها الصغير، المحروم مما يعيشه أقرانه وزملاؤه، لكن والدي أمام ما سطره من هدف، لم تكن مشاعر أم وحنانها حائلا دون هدفه، الذي لم يبلغه رغم التنقل وملاحقة العلم في المدارس القرآنية المختلفة لمسافات بعيدة، فاضطر لنقلي إلى مدرسة “النهضة” الحرة في فاس بتوصية من أحد أصدقائه. سافرنا إلى هذه المدينة التي لا نتوفر فيها على أي أقارب أو أصدقاء، والخوف من المجهول يعتصرني.
طلب والدي من المرحوم أحمد النجاري، مدير المدرسة، أن يستقبلني لديه خلال الفترة الصيفية، فاستجاب على مضض، لأن المدرسة لا تتوفر على سكن، واضطر أمام إصراره إلى قبول استضافتي ببيته خلال فترة العطلة فقط. بطبيعة الحال كانت تجربة أخرى بتفاصيل خاصة، وطريقة حفظ وتلقين مختلفة، حتى بلغت نهاية العطلة، وقدم الوالد لاصطحابي، ليفاجأ بتمسك المدير بي، بعد إعجابه بحركيتي ونشاطي وتفاعلي معه خلال الحفظ. فرح الوالد بهذا الطلب، وخلف لديه إحساس بالراحة، لأنه أزال عبئا كبيرا عن عاتقه، يتعلق بالإقامة.
لم يكن تحفيظ القرآن والتنقل صغيرا بين المدن لتحقيق هذه الغاية، موضوع خلاف بين الوالدين، فأبي كان حاسما في هذا الشأن. كنت في عمر 12 سنة، أدرس في مستوى الثانية إعدادي، حين قضيت أربع سنوات في بيت الشيخ في فاس، اضطررت معها إلى تغيير مدرستي العمومية ونمط حياتي والبيئة والأصدقاء. تجربة عيش جديدة في بيت عائلة أخرى وسط غرباء. تحملت معاناة نفسية كبيرة، خلفت لدي آثار اكتشفتها في ما بعد، فالعيش متنقلا وسط أناس آخرين في سن صغيرة، زوداني بالقدرة على التحمل والصبر، اللذين احتجت إليهما خلال فترة الاعتقال والملاحقة القضائية.
لتجربة فاس فوائد أخرى لا يمكن إنكارها، همت خصوصا توسيع المدارك ورفع مستوى حفظي للقرآن الكريم وتمكني من قراءاته، وكذا التعرف على شيوخ القرويين وعلماء الفقه وأصول الدين، الذين واظبت على حضور دروسهم، وهي مزايا لم أكن لأحصلها لو بقيت في منزلنا. وجدت أناسا أكبر مني عمرا في منزل الشيخ، وساعدني الاحتكاك بهم على إدراكي لأمور تتجاوز سني.
بدر الدين عتيقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى