fbpx
حوادث

نشر أعمال ومقررات المجلس الأعلى للسلطة القضائية

(2/2)

إعلان أسماء القضاة المعاقبين يشكل مسا بحياتهم الخاصة

بقلم:  د. عمر الشيـكر *

انسجاما مع هذه الإرادة المعبر عنها على النحو أعلاه، فإن الإشارة واضحة للمجلس الأعلى الموقر في وضع قاعدة عامة ضمن نظامه الداخلي، تعتبر هي الأصل، مفادها أن كل أعمال ومقررات المجلس يتم نشرها سواء بالوسيلة التي حددها القانون التنظيمي أعلاه، أو بجميع الوسائل المتاحة.

واعتبارا إلى أن لكل قاعدة استثناء مفترضا، فإنه يمكن إخراج بعض الأعمال والمقررات كلا أو جزءا، من دائرة النشر لما تقتضيه الاعتبارات التي تندرج في إطار ما حدده المشرع الدستوري في المادة 27 سالفة الذكر، ومنها على الخصوص ما يرتبط بالحياة الخاصة وبالحقوق الشخصية، وذلك إما بنص واضح في الناظم الداخلي أو بمناسبة المقرر الذي يصدر عن المجلس والخاضع بطبيعة الحال إلى تعليل عدم النشر، لمراقبة مشروعيته من قبل الغرفة الإدارية بمحكمة النقض عند الطعن فيه أمامها، من جهة؛ ولتوفير مادة علمية للباحثين في ميدان تدبير الشأن القضائي، من جهة أخرى.

وفي هذا الإطار، أثار انتباهنا نص المشرع في المادة 60 من القانون التنظيمي سالف الذكر والتي نصت على استثناء نشر «أسماء القضاة المعنيين بالعقوبات من الدرجتين الأولى والثانية المنصوص عليها في القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة». ولا ندري حقيقة الأمر في الاقتصار على عدم نشر أسماء القضاة بالنسبة إلى العقوبتين الأولى والثانية دون الثالثة والرابعة، خاصة أنه بالرجوع إلى تقرير لجنة العدل والتشريع وحقوق الإنسان حول مشروع القانون التنظيمي رقم 100.13 المشار إليه أعلاه، لا نجد مناقشة لهذا المقتضى، ما يطرح التساؤل بالنسبة إلى نشر أسماء القضاة المعرضين للعقوبات من الدرجتين الثالثة والرابعة؟

فالأسماء محمية بالفصل 27 من الدستور أعلاه، وبالتالي فإن نشر أسماء القضاة المعاقبين بعقوبتي العزل أو الإحالة على التقاعد، أو هما معا، يمكن أن يشكل مسا بحياتهم الخاصة وبحياة من ارتبط باسمهم من أبناء وعائلة.

وأعتقد أنه، من المنتظر أن يعاد فحص دستورية المادة 60 أعلاه، من قبل القضاء الدستوري، في مناسبتين محتملتين: الأولى، عند عرض القانون الداخلي عليها في ظرف ثلاثة أشهر من تنصيب المجلس الأعلى، والثانية، عند الدفع بعدم دستورية المادة سالفة الذكر أثناء عرض النزاع أمام الغرفة الإدارية بمحكمة النقض بمناسبة الطعن في أحد القرارات الصادرة عن المجلس أمامها، فستضطر إلى إحالة الدفع على المحكمة الدستورية لفحص مدى دستورية الفقرة الثانية من المادة 60 أعلاه، فهل ستستحضر المحكمة الدستورية أحكام الفصل 27 من الدستور المشار إليه أعلاه في نصه على الاستثناءات الواردة على الحق في المعلومات «والمتعلقة بالحياة الخاصة للأفراد، وكذا الوقاية من المس بالحريات والحقوق الأساسية المنصوص عليها في هذا الدستور»؟، أم أنها ستضع مبررات أخرى متعلقة بارتباط اسم القاضي أيضا بحياته المهنية وليس الخاصة فحسب، مما يفتح المجال للنقاش المستمر حول الحدود المرسومة بين الحياة الخاصة والحياة العامة للأفراد.

وللإشارة، فإن واضع مشروع القانون رقم 31.13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومة سالف الذكر، انتبه إلى هذا الأمر وأضاف في المادة 7 منه المعلومات التي « تكتسي طابع معطيات شخصية»، ولا شك أن هوية القاضي، وشرف واعتبار عائلته الصغيرة والكبيرة المرتبطة باسمه، تدخل في صميم المعطيات الشخصية التي يتعين حمايتها؛ ومن ثم  أيضا، حماية سلامتهم الجسدية والمعنوية، انسجاما مع المبادئ الدستورية المشار إليها سابقا.

ولذلك أقترح أن يتدارك النظام الداخلي هذه الثغرة التي ستكون موافقة لمبادئ الدستور بلا ريب، ويتفادى نشر أسماء القضاة المدانين بالعقوبتين أعلاه، وإن اقتضى الحال الإشارة فقط إلى الحرف الأول من اسمهم الشخصي والعائلي؛ فلربما، يفي هذا الاختزال بالغرض المضمر في ثنايا المادة 60 أعلاه.

وما تبين أيضا من صياغة النصوص المتعلقة بالنشر في القانون التنظيمي رقم 100.13 ، أن المشرع لم يستعمل في أية مناسبة متعلقة بنشر أعمال ومقررات المجلس، عبارة تدل على حصر النشر في الوسيلة التي حددها؛ فلا ضير إذن من استعمال وسائل النشر المتاحة غير تلك التي عينها القانون التنظيمي، ولا بأس في أن يأتي النظام الداخلي على الموجب الخاص بهذه الملاحظة، فلو أن المشرع أشار مثلا، إلى النشر بالجريدة الرسمية، فإن ذلك لا يمنع من النشر على الموقع الإلكتروني للمجلس أو بالوسائل الأخرى المتاحة كالنشرات الصادرة عن المجلس، وضمن تقاريره الدورية، وغيرها مما يتحقق بها الهدف من النشر، وهو إيصال المعلومة إلى المخاطبين بها بشكل فعال وعلى نطاق واسع.

خاتمة

إن نشر أعمال ومقررات المجلس الأعلى للسلطة القضائية سيساهم بلا شك في تكريس الشفافية والانفتاح، وفتح أبواب التواصل والتفاعل مع الرأي العام القضائي وغير القضائي، وهو ما يساهم في مراقبة عمل المجلس وتطويره، خاصة أن هذا النشر سيوفر قاعدة بيانات للمتتبعين ذوي الاهتمام، سواء تعلق الأمر بالمخاطبين المباشرين بمقررات المجلس، وهم القضاة أو المهتمين بالبحث العلمي في الشأن القضائي بما توفره لهم تلك المقررات من توجهات وأسانيد يتم إدخالها ضمن مختبراتهم قصد التحليل والنقد والاقتراح.

وعلى سبيل الاقتراح، ودون الدخول في الاقتراحات البديهية من باب إحداث موقع الكتروني للنشر وكيفية تنظيمه والإشراف عليه مما يندرج ضمن المسائل التقنية والإدارية العادية، واعتبارا إلى أن الأهم، وفق ما تم الوقوف عليه أعلاه، هو ضمان التوازن بين الحق في الحصول على المعلومات، وحماية الحقوق الشخصية، فإنه يتعين أن يتضمن النظام الداخلي مادة تتعلق بهذا الموضوع، تشير إلى نشر جميع أعمال ومقررات وأنشطة المجلس الأعلى بموقعه الالكتروني وبكل الوسائل المتاحة ما لم يتعارض ذلك مع نص قانوني، دستوري أو عادي، أو عندما يقتضي نظر المجلس عدم النشر بمقرر معلل؛ ويكون النظام الداخلي بهذا، قد ساير مبادئ الشفافية والانفتاح والتواصل المتحدث عنها سلفا.

* رئيس غرفة بمحكمة الاستئناف بالرباط

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى