مجتمع

باعة متجولون يبدعون حلولا لمعضلتهم

“فراشة” الحي الحسني بالبيضاء يستعينون بمهندس لإنجاز مشاريعهم ورئيس الجماعة يغلق الباب أمامهم

طالما أعلنت الحكومة عن خطة للتعامل مع مشكلة الباعة المتجولين، واقترحت وعودا بالحد من الظاهرة، سواء بمنح دراجات نارية لبائعي السمك أو تنظيم بائعي الملابس والخضر والفواكه داخل أسواق نموذجية، إلا أن وعودها ظلت حبرا على ورق، ففي الوقت الذي يتزايد عدد الباعة المتجولين، ويقدر عددهم بحوالي مليون و680 ألف شخص، تفشل كل البرامج في احتوائهم، وأحيانا يغلق الباب أمام مقترحات الباعة أنفسهم.

كل يوم يلتحق أفواج من العاطلين بالباعة المتجولين، منهم خريجو جامعات، وآخرون لم يستوعبهم سوق الشغل، فوجدوا في  مشروع بسيط فرصة لتوفير لقمة العيش، قبل أن يتحولوا إلى  مطاردين، سواء من السلطة المحلية أو السكان، ومنبوذين من المجالس المنتخبة.

في الحي الحسني بالبيضاء القصة مغايرة تماما، فقد انتظم حوالي 114 بائعا متجولا داخل إحدى النقابات، وفكروا في «مساعدة» المجالس المنتخبة والسلطات المحلية على إيجاد حل لمشكلتهم، بدل لعبة المطاردات والهروب.

يقول أيوب نايتولحيان، أحد باعة الملابس قرب قيسارية الحي الحسني، إن الباعة سئموا من المطاردات، فقرروا وضع حد للتشنج مع السلطات المحلية من خلال التفكير في مشاريع نموذجية تغني السلطات عن الفوضى بالشارع، وتضمن للباعة قوت يومهم بشكل قانوني.

بدأ الباعة في مشاريعهم، وقاموا بعملية إحصاء كشفت أن عددهم يصل إلى 114 بائعا تتوفر فيهم شروط أقدمية الاستقرار بالمنطقة، وممارسة التجارة منذ سنوات، والحالة الاجتماعية لهم،  فأغلبهم يعيل أسرة تتكون من خمسة أفراد.

وبنبرة حزينة تحدث أيوب قائلا:» نقاسي كثيرا بحثا عن قوت يومنا، ولا نطالب إلا  باستيعاب مطالبنا التي لا تعدو تنظيم الباعة وهيكلة القطاع»، مشيرا إلى أنهم طرقوا جميع الأبواب، وقدموا مشاريع من أجل بناء سوق عصري لفائدتهم، وأنجزوا دفترا للتحملات يحدد أهداف مشروعهم في التنظيم والتكوين والحماية القانونية وتحمل المسؤولية، وقدموا اقتراحات من أجل إدماج الباعة الذين ينتمي بعضهم إلى حاملي الشهادات».

يرى باعة الحي الحسني «أن الاحتقان الاجتماعي الذي تعرفه عدد من القطاعات الصناعية والاقتصادية أدى إلى إغلاق أبواب المعامل والشركات، وهو ما يعني لجوء جيوش من العمال المطرودين إلى ممارسة البيع غير المنظم من أجل كسب قوتهم اليومي».

ويعتقد هؤلاء الباعة أن فشل بعض تجارب الأسواق النموذجية في بعض المناطق يعود إلى افتقادها  لدراسة تشاركية  بين السلطة المحلية والمهنيين والمستفيدين، كما أن أغلبية  هذه الأسواق لا تتوفر على الشروط المتعارف عليها ولا تخضع لدفتر التحملات، علما أن توفير «أسواق الحي»، وخلق فرص العمل سيساهمان في التخلص من هذه المشاكل بصفة قطعية، ويعلنان نهاية احتلال الشوارع والأزقة .

حمل باعة الحي الحسني مشاريعهم إلى السلطات المحلية، ومجلس مقاطعة الحي الحسني، وأملهم بفتح حوار يرضي جميع الأطراف، خصوصا أنهم كلفوا مهندسا مختصا بإنجاز دراسة حول هذه المشاريع استندت إلى تجارب عالمية في تنظيم تجارة الباعة  المتجولين، كما حددت هدفها في المساهمة في إقرار بدائل للنهوض بالاقتصاد المحلي، والرفع من الإنتاجية، ومحاربة مظاهر الفقر والفوضى والنتائج المترتبة عنهما أمنيا، معتقدين أن مشاريعهم ستصبح نموذجا يحتذى به وطنيا، إلا أن أملهم خاب.

استقبل المسؤولون بالمنطقة الباعة ساعات طويلة، وفي كل مرة يتم إخبارهم بغياب عقار بتراب العمالة، بل إن رئيس المقاطعة الجماعة أصبح يغلق الباب في وجوههم، ثم ابتدأت المطاردات بالشوارع، والتحق الباعة بالمشردين.

 الآن يطوف الباعة على كل المسؤولين لإنجاز مشروعهم والتكفل فقط بتوفير بقعة أرضية، معلنين قدرتهم على تنظيم أنفسهم، دون حاجة إلى تهديد أو  تشريد أسرهم.

 خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق