مجتمع

“هنكار الطرام” بالحي الحسني…العبث

الارتجال يرغم “البيضاء للنقل” على إزالة مركز لركن القطارات شيدته خارج القانون بأموال الشعب

إعداد: يوسف الساكت

 من أعطى الضوء الأخضر لبناء مركز لركن قطارات الطرامواي بحي الليمون بمقاطعة الحي الحسني بالبيضاء (غير بعيد عن منطقة الكليات) في يناير الماضي؟ ومن أمر بإزالته من الوجود ثلاثة أشهر بعد ذلك؟ ومن المخطئ: هل هؤلاء الذين جلبوا شركة أشغال عملاقة لتشييد صرح من الحديد في منطقة يمنع البناء فوقها؟ أم الذين رخصوا للجهة صاحبة المشروع (البيضاء ترانسبور) وأغمضوا العين من أجل المصلحة العامة؟ وأي مصلحة عامة تتعارض مع مصالح المواطنين وحقهم في استغلال فضاء أخضر ومكان للعبادة، تحولا بقدرة «عبث» إلى «هنكار» عشوائي؟

أسئلة وغيرها مازالت تتناسل منذ الشروع في إزالة الدعامات الحديدية العملاقة لمركز ركن الطرامواي بالحي الحسني، وترحيلها إلى مكان بعيد، في وقت لم يتجرأ أي أحد على فتح تحقيق في ما جرى، وكيف جرى، أو ترديد «اللهم هذا منكر» أضعف الإيمان.

هدير آلات تثبيت خطوط السكك الحديدية وضجيج ناقلات الرمال والحجارة يكسران سكون منطقة حي الليمون بالبيضاء، حيث يستريح عدد من الفيلات والإقامات والمؤسسات التعليمية الخاصة، ومقاه وفضاءات ترفيه.

يلوح شرطي المرور لطابور لسائقي السيارات والشاحنات في الجهة المقابلة لمشروع مركز لركن قطارات الطرامواي، ويطلب منهم الإسراع بعبور مقطع الطريق الضيق، في انتظار فسح المجال للطابورين الثاني والثالث في الجهتين المقابلتين.

زحمة يا ألفة زحمة

تتكدس السيارات وسيارات النقل المدرسي والدراجات النارية في هذه النقطة الضيقة في ساعات محددة من اليوم، بسبب استمرار أشغال بناء الخط الثاني من الطرامواي، وهو خط عبارة عن تمديد للخط الأول انطلاقا من نقطة توقفه بحي الكليات في اتجاه منطقة ليساسفة.

فلاشيء يوحي أن الأشغال ستنتهي في موعدها المرتقب، أو على الأقل الأشطر الأساسية للمشروع المقرر، حسب أجندة شركة البيضاء للنقل، انطلاقه في بداية 2018، ولا شيء يعطي الانطباع أن الشركة المعنية تتعامل مع مشروع مهيكل أطلق أشغاله جلالة الملك بالجدية المطلوبة في إطار احترام القانون والمساطر ونظام الرخص.

باسم مصلحة المواطنين وإطلاق الخط الثاني من الطرامواي، داس المكلفون بالمشروع والسلطات المحلية على جميع المواثيق واحتقروا قوانين صريحة، كما تراموا على بقع أرضية ليست في ملكيتهم، بل في ملكية الجماعة المحلية، وانتهكوها وشرعوا يشيدون فوقها «هنكارا» عشوائيا وسط حي للكليات والفيلات، وأعطوه اسم «مركز لركن قطارات الطرامواي».

بدايات جريمة

مع بداية الأشغال ووضع الأساسات من الإسمنت المسلح ورفع الدعامات الحديدية على علو يطل على أسطح الفيلات والإقامات السكنية، سارع السكان إلى الاتصال بالسلطات الإدارية ومسؤولي العمالة الذين التزموا الصمت، علما أن هذه لا تتردد في استنفار قواتها العمومية لهدم جدار صغير وسط حديقة بمنزل وسط حي شعبي، بينما «ضربت صفحا على فضيحة من العيار الثقيل تتعلق ببناء مستودع عشوائي فوق حديقة عمومية ووسط منطقة تشهد اهتماما متزايدا من قبل جلالة الملك من أجل تحويلها إلى قطب مالي وعلمي وطبي الأول في إفريقيا».

وتعامل مسؤولو الشركة صاحبة المشروع مع تنبيهات السكان وملاحظاتهم باستخفاف كبير، مؤكدين أن الموضوع يكتنفه بعض التهويل، بسبب افتقاد القاطنين للمعطيات الصحيحة، وموضحين أن القطعة الأرضية، حيث بدأت أشغال مركز لركن القاطرات، مؤشر عليها في تصميم تهيئة الحي الحسني باعتبارها مرفقا عموميا، يمكن استغلاله في أي مشروع، وليس حديقة عمومية.

وقال المسؤولون في حينه إن المشروع لا يتعلق بمركز للصيانة شبيه بالمركز الموجود بسيدي مومن، لكن بمحطة لركن القاطرات في الليل، إلى حين انطلاقها في الساعات الأولى من الصباح، مبرزين أنها طريقة جديدة للتحكم في الوقت والتقليل من الكلفة، إذ عوض أن تغادر القاطرات في الرابعة صباحا، للوصول إلى منطقة الكليات وبدء أول رحلة في السادسة، فكرت الشركة بناء محطة للركن في المكان، كما تم بناء أخرى بمنطقة البرنوصي للغرض نفسه.

في هذا الوقت، خرج أحمد جودار، رئيس المقاطعة، الذي قال إن المشروع لا يتوفر على الترخيص القانوني من المصالح المعنية، مؤكدا أنه وجه إنذارا إلى المكلفين بالأشغال من أجل توقيف الورش إلى حين دراسة طلب الترخيص والموافقة عليه، ثم وجه لهم إنذارا ثانيا في وقت لاحق، كما أوضح أن الشركة صاحبة المشروع أخبرته (حين ربط الاتصال بمديرها) بأن ملف طلب الترخيص وضع في مكتب عمدة المدينة ونسخة منه في مكتب الوالي.

“عماري ما في راسو والو”

بين غضب السكان و«تطمينات» المسؤولين، بدأت كرة الثلج تكبر وأخذت حجما كبيرا، وتدحرجت حتى وصلت مقر مقاطعة الحي الحسني التي قررت عقد دورة استثنائية لدراسة الموضوع علقت في آخر لحظة، بسبب اعتذار مدير شركة البيضاء للنقل عن الحضور، كما وصلت كرة الثلج إلى ولاية الجهة ووزارة الداخلية التي أرسلت لجنة للبحث في حيثيات الملف ورفع ملف عنه إلى الجهات المركزية.

استمر الشد والجذب بين أصحاب الفيلات المتضررين وبعض مستشاري المقاطعة من جهة، وبين الشركة صاحبة المشروع وأطراف في الولاية ومجلس المدينة وعمالة الحي الحسني، إلى أن خرج عبد العزيز عماري، عمدة الجماعة الحضرية، الذي عقد اجتماعا غير مرتب بقبة البرلمان مع مستشارين بالمقاطعة، نفى فيه توصل مصالحه بأي ملف أو طلبات للترخيص لهذا المشروع، مؤكدا أنه قرأ الخبر على غرار جميع المغاربة على صفحات الجرائد والمواقع الإلكترونية، متعهدا بالاتصال بالمدير العام لشركة البيضاء للنقل (يعتبر مجلس المدينة عضوا في مجلسها الإداري)، وباقي الجهات الرسمية لتجميع معطيات حول هذا المشروع والطريقة التي ينجز بها، والأرض التي بني فوقها وطبيعتها مقارنة مع وثائق التعمير وتصميم التهيئة الخاص بمقاطعة الحي الحسني.

ساعة الهدم

لم يمر إلا شهر عن انفجار الفضيحة، حتى اكتشفت الشركة أنها ارتكبت خطأ جسيما بشروعها في تشييد مستودع عشوائي بترخيص شفهي من قبل مسؤولين «ضحكوا» عليها وفرشوا لها الأرض بقشور الموز، قبل أن تأمر بتوقيف الأشغال إلى حين هدوء الزوبعة.

الزوبعة لم تهدأ، إذ ألح السكان المتضررون وضغطوا من أجل إزالة المشروع برمته، وهدم الأسوار والدعامات الحديدية وإرجاع الحالة إلى ما كانت عليه، وهو ما تم بالفعل، إذ عادت الشركة لهدم ما سبق أن بنته، ما يعنيه ذلك من مصاريف إضافية وأموال باهظة ضاعت عبثا.

ي.س

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق