ملف عـــــــدالة

متقاضون تحت رحمة العطلة القضائية

فلسفة قضاء القرب تتطلب إيجاد الوسائل الناجعة لبرهنته

مع ارتفاع حرارة الصيف تنخفض حرارة العمل داخل المرافق العمومية بصفة عامة، وبالمحاكم بصفة خاصة، ما يساهم بقدر كبير في عرقلة سير مرافقها وتعطل مصالح المواطنين، ورغم نظام التناوب المعتمد فإن المرفق يشهد حالة من الشلل، وهو رأي يجمع عليه المتقاضون الذين يجدون أنفسهم أمام دوامة الانتظار إلى حين انتهاء العطلة القضائية وعودة العمل بالشكل الطبيعي داخل ردهات المحاكم. وباعتبار العطلة حقا طبيعيا لكل شخص ومنصوصا عليه بمقتضى القانون، فلا أحد يجادل في ذلك، إلا أن ذلك الحق مقيد بشرط عدم المساس بالمصلحة العامة، التي تأتي في مقدمتها مصلحة المواطنين، ويتطلب الوضع الوقوف على ما تعيشه المحاكم من حالة ركود ضحيتها في الأول والأخير المتقاضي.
إن الحديث عن ترجمة فلسفة قضاء القرب يتطلب في الواقع العمل على إيجاد وسائل الناجعة لبرهنته على أرض الواقع والتي يمكن من خلالها أن يستمد المتقاضي ذلك القضاء، فالقرب لا يعني فقط تقريب الإدارة من المواطنين بقدر ما يترجم فلسفة التعامل وروح المواطنة، التي تضع نصب عينيها مصلحة المتقاضي أولا وأخيرا، فالمتقاضي يطمح إلى السرعة في النظر في قضاياه لا أقل ولا أكثر وحسن التعامل.
العديد من الدول لأجل القضاء على معظلة العطلة القضائية انتهجت  مجموعة من التدابير من حلال تخفيض العطلة الصيفية من 45 يوما إلى 15 يوما مقسمة إلى ثلاث فترات، أي بمعدل 5 أيام في الشهر عوض  15 يوما، واعتبرت أن ذلك من شأنه أن يخفف الضغط على المحاكم ويساهم في عدم عرقلة سير القضايا، وهي طريقة ناجعة إلى حد ما، يحاول من خلالها عدم ترك مرافق المحكمة فارغة لمدة طويلة، وما ينجم عن ذلك من تعثر لمصالح المتقاضين وحتى العاملين في المحاكم الذين يجدون أنفسهم في حالات معينة يقومون بأعمال مزدوجة، لأجل التغلب على ما تحدثه تلك العطل طويلة المدد. إضافة إلى أن ذلك يساهم في تراكم الملفات التي تكون من اختصاص هيأة معينة شرعت في النظر فيها، وأدى غياب أحد أعضائها إلى تأخيرها، ولا تستطيع أي هيأة أخرى النظر فيها إلا بإعادة نشرها من جديد، وغيرها من الأزمات التي تنتج عن حالة الفراغ التي تشهدها المحاكم.
إن الحق في عطلة صيفية على النحو الذي يرغب فيه طالبها، يطرح مسألة مهمة تخص بالمقابل حدود ذلك الحق في حال تعارضه مع الواجب الملقى على عاتقه، وأي منهما يجب تقديمه هل الحق أم الواجب؟  خاصة إذا ما ارتبط الأخير بالمصلحة العامة، الرامية في الأساس إلى تسهيل المساطر وتقريب القضاء  من المواطنين، وتخفيف معاناتهم على اعتبار أن الغاية المثلى من أي إصلاح تتمحور حول خدمة المواطن وتحقيق العدالة في أحسن صورها ، ودون أن ننسى أن الإصلاح الحقيقي لورش القضاء يتطلب الأخذ بعين الاعتبار جميع مكوناته، حتى وإن ظهرت أنها مسائل بسيطة، فهي قد تشكل السهل الممتنع الذي يمكن أن يقف عائقا في وجه الإصلاح المنشود.

ك.م

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق