ملف عـــــــدالة

تراجع الإنتاج بالمحاكم بفعل الإضراب والعطلة

استطلاعات الرأي بينت حجم الخسائر المادية التي منيت بها الدولة من جهة وتفويت الفرص وتعطيل مصالح المتقاضين

إذا كان عمل الإدارة يتجسم في ما تتخذه من قرارات وأوامر وما تقوم به من أعمال مادية لتسيير المرفق العمومي وتدبيره انطلاقا مما تراه مناسبا لذلك،  وما يحقق من أهداف، فإن عمل المحاكم (محاكم الموضوع) يتجسد في ما تصدره من أحكام وقرارات وأوامر وما تتخده من إجراءات تدخل في اختصاصها القضائي أو الولائي لتهيئ وتحضير القضايا وجعلها صالحة وقابلة للحكم فيها،  ثم تنفيذ هذه الأحكام وما يتطلبه الأمر من إجراءات وتدابير للمحافظة على المراكز القانونية للأشخاص, كل ذلك لا يمكن أن يبقى رهين  مسلسل الإضراب أو أن يتوقف كثيرا نتيجة ما أصبح عرفا يسمى «العطلة القضائية».
فالتعطيل الإداري لمصالح المواطنين يناقض مفهوم الإدارة ومعناها العضوي الذي يتجلى في تسيير نشاط ذي مصلحة عامة تقوم به الدولة وتتولى شؤونه بهدف إشباع الحاجات العامة.
كما أن مسؤولية الدولة تثار أيضا عند تحقق الضرر اللاحق بالأفراد والجماعات  عندما تجتمع عناصر المسؤولية من خطأ وضرر وعلاقة سببية.
فإذا ثبت حدوث ضرر لمواطن ما بفعل تباطؤ العمل الإداري للمحاكم، فإن من حقه الحصول على تعويض مناسب للضرر الحاصل له من جراء غياب كتابة الضبط بفعل الإضراب مثلا أو العطلة السنوية التي على كاهل الإدارة  العمل حديا على توفير استمرارية  دور أجهزتها. فتفويت الفرصة على المتقاضي من أجل الحلول على أمر باستجواب شاهد أو معاينة مستعجلة لمواد قابلة للتلف أولإجراء حجز تحفظي بين يدي الغير وثبت ضياع حق الدائن مثلا كلها تعتبر قانونا  وفقها أخطاء مرتبة للمسؤولية المدنية .
إن الفراغ التشريعي الذي تعرفه بعض الجوانب القانونية للحياة الإدارية خاصة يجب التصدي له بكل حزم وعزم، فمشروع قانون الإضراب مازال جامدا رغم أن هذا خطأ مشتركا تتحمله جميع الحكومات المتعاقبة منذ 1962 وتحصد نتائجه الو خيمة الدولة برمتها سواء من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية، ثم إن التعامل مع الرخص أو العطل بالنسبة إلى الموظفين والقضاة مازال قاصرا على فصل الصيف فقط (شهور يوليوز وغشت وأحيانا شتنبر) وذلك بشكل لافت للنظر، إذ يقتضي الأمر والحالة الراهنة تقسيم الرخص عبر شهور السنة اعتبارا للإضرابات المتوالية ولكم الملفات الرائجة، بل وتعميم ذلك على السنوات المقبلة تحقيقا للمصلحة العامة.
الغريب في الأمر أن المسألة مرت مرور الكرام على المستوى التشريعي دون اعتبار الخسائر المادية التي تكبدتها ميزانية الدولة جراء طول الإضراب، فلا نص قانونيا نافذا ينظم الإضراب رغم الدستور منذ سنة 1962، ولا حتى تتجنب الحكومة تكرار سلوك هذا «الحق»، ولا نص ينظم سير الجلسات بالمحكم في حالة تغيب كاتب الضبط أوفي حالة الإضراب المكلف بصفة عامة.
الجديد إذن هو المصادقة على قوانين قضاء القرب تحقيقا لخطاب الملك: «العدالة في خدمة المواطنين «، لكن يبقى الأهم هو حماية هذه الخدمة حاليا ومستقبلا، فضعف التشريع يحول دون استكمال المنظومة القضائية التي تتأثر بالموارد البشرية خاصة على مستوى الكفاءة والنزاهة والإنتاج والمواطنة الحقيقة.
وارتباطا بهذا المعطى الواقعي، تتصدر العطلة القضائية قائمة الهواجس التي تقض مضاجع المتقاضين سواء المواطنين المغاربة المقيمين بالداخل أو بالخارج وحتى المستثمرين الأجانب.
فقد أصبح شبه مكرس، بل وعرفا راسخا أن العطلة القضائية أصبحت  خلال شهري يوليوز أو غشت بمعنى شهرين من التعطيل القضائي، بل حتى إن نظام الاستفادة من الرخص السنوية يفرض خلال هذه الفترة بالذات دون غيرها، رغم أن النظام الأساسي لرجال  القضاء أو قانون الوظيفة العمومية (الفصل 39) لا ينصان على ذلك، إنما يطبق عرف المسؤولين الإداريين في هذا المجال. وبما أن شهرين من العطلة داخل المحاكم يعني شهرين من تعطيل للمصالح لتفويت المداخل للدولة، وفضلا على ذلك تذمر المتقاضين وخيبة أملهم  وتفويض للأمن القضائي وتوسيع لمسؤولية  الدولة وضرب خصوصية مرفق العدل.

مصطفى صفر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض