ملف الصباح

اختلاف حول تسبب أدوية في إفساد الصوم

علماء الدين يشترطون وصول مادة الدواء إلى الجوف لإفطار الصائم

شرع الله الصيام محدودا بحدود شرعية، من تجاوزها أفسد صيامه أو نقصه. مبطلات الصوم تجاوزت الحدود الدينية التي يجسدها الأكل والشرب والجماع من مطلع الفجر إلى غروب الشمس، واجتهد المتجمع والعرف قبل ذوي الاختصاص في الحديث عن مفطرات تهم الجوانب الطبية من أدوية ومواد صيدلية من بخاخ الربو وأقراص توضع تحت اللسان ومناظير طبية وبخاخ الأنف، ومواد التخدير والحقن العلاجية والمراهم والغسيل الكلوي وغيرها.
ورغم أن المذاهب الأربعة اختلفت حول هذه المواد وأيها مفطر ومبطل للصوم وأيها مجيز له، فقد اتفقت بإجماع على اعتبار كل مادة تصل إلى الجوف مفطرة.    
بخَّاخ الربو
الاختلاف في المذاهب يؤدي بدوره إلى اختلاف الأحكام حول مفطرات الصيام من الناحية الطبية، إذ اختلف العلماء المعاصرون حول ما إن كان استعمال بخاخ الربو يفطر ويبطل صوم رمضان، فالمجموعة الأولى قالت إن استخدامه في نهار رمضان لا يفطر الصائم باستعماله، ولا يفسد الصوم، مستندين في ذلك على أن “الصائم له أن يتمضمض ويستنشق، وإذا تمضمض سيبقى شيء من أثر الماء، مع بلع الريق سيدخل المعدة، والداخل من بخاخ الربو إلى المريء ثم إلى المعدة قليل جدا، فيقاس على الماء المتبقي بعد المضمضة، ووجه ذلك أن العبوة الصغيرة تشتمل على 10 مللترات من الدواء السائل، وهذه الكمية وضعت لمائتي بخة، فالبخة الواحدة تستغرق نصف عُشر المللتر، وهذا يسير جدا، كما أن دخول شيء إلى المعدة من بخاخ الربو ليس أمرا قطعيا، بل مشكوك فيه، والأصل بقاء الصوم وصحته، واليقين لا يزول بالشك، فضلا عن أن الأطباء ذكروا أن السواك يحتوي على ثماني مواد كيميائية، وهو جائز للصائم مطلقا، ولا شك أن شيئا من هذا السواك سينزل إلى المعدة، فنزول السائل الدوائي كنزول أثر السواك.
أما المجموعة الثانية، فعزت عدم جواز استعمال الصائم بخاخ الربو، وإن احتاج إلى ذلك لأنه يعتبر مفطرا، إلى أن جزءا من بخاخ الربو الدوائية، تشتمل على الماء، فهو يصل إلى الجوف (المعدة)، فيكون مفطرا للصائم بذلك، ولأنه أيضا دواء يستنشقه الصائم عن طريق فمه فيفطر به.
قطرة الأنف
الأنف منفذ إلى الحلق كما هو معلوم بدلالة السنة، والواقع، والطب الحديث. وإن اختلف العلماء المعاصرون حول تسبب قطرة الأنف في إفطار الصائم أم لا، فقد أجمعوا على أن الإفطار يكون موجبا إذا وصلت القطرة إلى الجوف، فلقد قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «وبالِغ في الاستنشاق، إلاَّ أن تكون صائمًا»، أي أن القطرة الخفيفة التي لا تصل إلى الحلق لا تبطل الصوم، لأَنه، صلى الله عليه وسلم، لم ينه الصائم عنِ الاستنشاق مطلقا، وإنما أمره بِعَدم المُبَالغة فيه، أما القطرات الكثيرة التي تصل إلى الحلق فإنها تفسد الصوم، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام نهى الصائم عنِ المبالغة في الاستنشاق، والمبالغة من شأنها أن توصل الماء إلى الحلق، ويتبع ذلك الابتلاع فساد الصوم.
قطرة العين
اختلف الفقَهاء في ما يوضع في العين كالكحل ونحوه، هل يفطر أم لا؟ وخلافهم هذا مبني على أمر آخر، وهو: هل تعتبر العين منفذًا كالفم، كما أن الطب الحديث أثبت أن هناك قناة تصل بين العين والأنف، ثم البلعوم، لذا اختلف العلماء المعاصرون في قطرة العين، وهل يفطر الصائم بهذا التقطير أو لا؟، قبل أن يجمعوا على أن قطرة العين ليست مفطرة، قياسا على الكحل، الذي لا يفطر إلا إذا بلغ إلى الحلق.
الحقن والإبر العلاجية
تقسم هذه الحقن إلى قسمين، القسم الأول: الحقنة العلاجية الجلدية، أو العضلية، أو الوريدية غير المغذية: وهي، لأنها لا تغذي الجسم عند حقنها للصائم، فالمعدة هي مكان التغذية، فإذا لم يصلها مُغذ، فلا يُعد الصائم مفطرا، كما أن الأصل صحة الصوم، حتى يقوم دليل على فساده، وهذه الإبرة ليست أكلا، ولا شربا، ولا بمعنى الأكل والشرب، وعليه، ينتفي عنها أن تكون في حكم الأكل والشرب.
وبخصوص الحقنة الوريدية المغذية، وهي حقن محملة بالمواد الغذائية، فقد وقع فيها خلاف بين الفقهاء المعاصرين، منهم من قال إنها لا تفطر، «لأن مثل هذه الحقنة لا يصل منها شيء إلى الجوف من المنافذ المعتادة أصلا، وعلى فرض الوصول فإنما تصل من المسام فقط، وما تصل إليه ليس جوفا، ولا في حكم الجوف»، والآخرون قالوا إنها تفطر الصائم، لأنها «مغذية في معنى الأكل والشرب، فإن المتناوِل لها يستغني بها عنِ الأكل والشرب».
التحاميل
اختلف العلماء ما إن كان هذا النوع من الأدوية مفطرا ومبطلا للصيام، إذ استند قسم على أن التحاميل لا تفطر لأنها لا تغذي بأي وجه من الوجوه بل تستفرغ ما في البدن، كما لو شم شيئا من المسهلات، كما أنها لا تصل إلى المعدة،
وأما القسم الثاني منهم فقد اعتمدوا على أن هناك اتصالا بين فتحة الشرج والمعدة، وهو القول الذي رد عليه المجموعة الأولى بأنه إذا كان هناك اتصال، ففتحة الدبر متصلة بالمستقيم، والمستقيم متصل بالقولون، فالأمعاء الغليظة، فيما امتصاص الغذاء يتم عن طريق الأمعاء الدقيقة، وقد يكون عن طريق الأمعاء الغليظة امتصاص بعض الأملاح والسكريات فقط.

هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق