fbpx
افتتاحية

الحكيم!

د. خالد الحري
د. خالد الحري

تنفيذا لمضامين بلاغ الديوان الملكي، الصادر مساء الأربعاء الماضي، استقبل جلالة الملك، أمس (الجمعة)، سعد الدين العثماني، رئيس المجلس الوطني للعدالة والتنمية، وعينه رئيسا للحكومة، مكلفا بمهمة تشكيلها، بعد إعفاء زميله عبد الإله بنكيران من المهمة نفسها.

ومارس الملك صلاحياته المنصوص عليها في الفصل 42 من الدستور بصفته «رئيس الدولة وممثلها الأسمى وضامن استمرارها، والساهر على حسن سير المؤسسات الدستورية وصيانة الاختيار الديمقراطي»، وكذا الفصل 47 الذي يعطي للملك صلاحية تعيين رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدر انتخابات أعضاء مجلس النواب.

وبهذا التعيين، قطع الملك مع مرحلة سياسية طبعها كثير من التشنج والمزاجية والعناد، وكان من نتائجها هدر خمسة أشهر من الزمن السياسي وتعثر الملفات والقضايا الأساسية، وأعلن عن مرحلة أخرى يتطلع جميع المغاربة أن تكون حاسمة في استكمال البناء المؤسساتي للدولة.

من جهة أخرى، وضع استقبال الملك لشخصية من العدالة والتنمية وتعيينها في منصب رئيس الحكومة المكلف، نهاية لجميع التأويلات و«المناورات» وسيل السيناريوهات التي ازدادت غموضا بعد التصريحات «الملغومة» لقياديين في الحزب، ثم البلاغ الصادر عن الاجتماع الاستثنائي للأمانة العامة الذي طلب اجتماعا عاجلا، اليوم (السبت)، للتقرير في شأن «العرض الملكي».

وحاول العدالة والتنمية إغلاق القوس الذي فتحه الديوان الملكي، وعوض أن يتفاعل معه إيجابيا، صاغ جوابا على مقاس حسابات حزبية شديدة الضيق، مزايدا، على الجميع، بالتعابير نفسها التي تشتم منها رغبة في التنافس على رقعة السلطة في المغرب، من قبيل «التفويض الشعبي»، أو «الإرادة الشعبية»، دون وعي بدقة المرحلة التي تقتضي- أكثر من أي وقت آخر- كثيرا من المرونة والكياسة في تصريف المواقف وتقديم التنازلات وبناء التوافقات الأساسية.

ففي الوقت الذي اختار الملك، من ضمن خيارات أخرى يتيحها له نص الدستور وروحه، تكليف شخصية ثانية من الحزب نفسه الذي فشل أمينه العام في الوصول إلى صيغة مع حلفائه لتشكيل الحكومة المتعثرة منذ خمسة أشهر، فضل الحزب إشهار أسلحته الثقيلة، وفتح باب المواجهة على مصراعيه، معلنا أن الآخرين هم من أخطؤوا وليس الرئيس المكلف الذي «أدى مهمته في احترام تام للمنطق الدستوري والتكليف الملكي والتفويض الشعبي».

وراهن العدالة والتنمية، من خلال بلاغه، على التأزيم، خصوصا في حديثه عن رفض جميع أعضاء الحزب لما أسماها «الاشتراطات» المعلن عنها من الأحزاب الأخرى، لكن تعيين العثماني بعد ساعات من صدور البلاغ، وقبل انعقاد المجلس الوطني، بيوم، قلب كل الموازين.

الآن، الكرة في ملعب العثماني، الدبلوماسي والطبيب النفسي، الذي عليه أن يتصرف مثل رجل دولة يستحضر المصالح العليا للوطن برزانة واتزان ومرونة ومقدرا لطبيعة ودقة المرحلة السياسية التي يمر منها المغرب.

فهل يكون في مستوى الرهان المرحلي، أم أن مصالح «الجماعة» ستكون أقوى من مصالح الوطن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى