مسار دراسي توج بشهادة الباكالوريا لو كان محمد لحيان، المزداد سنة 1943 ببلقصيري، اطلع على ما كان يخبئه له القدر لما قرر التقدم إلى المباراة التي نظمتها وزارة الداخلية سنة 1962، من أجل توظيف مترجمين. كان الرجل يعتقد أنه بعد حصوله على شهادة الباكلوريا، وبولوجه الوزارة آنذاك ستفتح أمامه مجموعة من الأبواب وسيستطيع أن يؤمن مستقبله، وأن يصبح من الأطر التي كانت الإدارة المغربية آنذاك تشكو من خصاص حاد فيها، إذ كان المغرب في إطار مغربة الإدارة، بعد ست سنوات من الاستقلال، يعمل جاهدا من أجل توظيف أطر مغربية لتعويض الأطر الفرنسية، خاصة أن الأمر يتعلق بوزارة كانت وما تزال تعتبر من وزارات السيادة، وبالفعل استطاع محمد لحيان أن يتفوق في المباراة وأن يعين في أسلاك الوزارة باعتباره مترجما، واستمر في تحسين مؤهلاته من أجل تحسين وضعيته الإدارية، وبالفعل ولج كلية الحقوق واستطاع أن يحرز على الإجازة في الحقوق، ونجح في التدرج في أسلاك الوزارة، إذ عين خليفة في 1975 وقائدا خلال 1980، المنصب الذي كان بمثابة لعنة نزلت به، إذ في السنة نفسها ستدبر له مؤامرة، حسب روايته، ليتقرر عزله من مهامه دون أي قرار كتابي لتشرد أسرته ويصبح وحيدا يعيش على معونات المتعاطفين معه. ازداد محمد لحيان في مارس 1943، بمدينة مشرع بلقصيري، التي أنشئت في 20 غشت 1913 في موقع يعد قلب سهل سبو الخصب لانفتاحه على كل الواجهات، مما جعله نقطة تواصل مهمة سواء عن طريق النقل البحري أو الملاحة النهرية خاصة مع إنشاء ميناء نهري آنداك لنقل السلع عبر سبو طيلة السنة من القنيطرة إلى فاس، خلال 1913، أو عبر النقل السككي بإنشاء الخط السككي فاس- طنجة، خلال 1915.وقد سميت مشرع بلقصيري بهذا الاسم نسبة إلى رجل إسمه بلقصيري كان يقوم بعمليات نقل القوافل التجارية التي كانت تمارس نشاطها التجاري بين فاس وطنجة على مركبه ويعبر بها نهر سبو، ونتيجة لهذه العمليات التكرارية والتي أصبحت إعتيادية بالنسبة إلى الناس، أصبحت مدينة بلقصيري تحمل إسمه، فمشرع أي ممر وبلقصيري إسم رجل كان نقطة اتصال بين قبيلتين هامتين هما قبيلة سفيان وقبيلة بني مالك، ويمكن القول إن المنطقة التي ينتمي إليها مشرع بلقصيري تعتبر ملتقى لعدة قبائل، الشيء الذي يميزها عن باقي مناطق الغرب، الذي أهلها أن تلعب دورا مهما ليس في الاقتصاد المغربي. لذلك انتقلت من إطار مركز مستقل إلى إطار بلدية سنة 1990 بعدما كانت مجرد نواة حضرية.في هذه النواة الحضرية سينشأ محمد لحيان وسط عائلة بسيطة، كما هو الحال بالنسبة إلى باقي الأسر التي استقرت بهذه المنطقة، مكونة من الأب والأم وخمسة إخوان. كان طموح الطفل آنذاك أكبر من المجال الجغرافي الذي ترعرع فيه، سيما أن كل الظروف كانت مواتية من أجل التمدرس، إذ كانت هذه المنطقة عبارة عن ضيعات يستغلها المستعمرون وكانت السلطات الاستعمارية آنذاك تعمل جاهدة من أجل توفير بعض البنيات لضمان تعاطف السكان، ومن بين هذه البنيات المدارس، وهكذا استطاع محمد لحيان، رغم أنه يتحدر من أسرة ضعيفة، من الاستفادة من التمدرس، ويتذكر لحيان أن والدته كانت تحمله على ظهرها إلى المدرسة من أجل التأكد أنه يواصل دراسته ولا ينقطع عن حصص الدروس، ما حفز الطفل على المثابرة والاجتهاد لاحتلال الرتب الأولى. وتمكن بالفعل من التفوق ونيل الشهادة الابتدائية، التي كان لها شأن كبير في ذلك الوقت، بل كانت تكفيه للولوج إلى أسلاك الوظيفة، خاصة التعليم، لكن طموحه كان أكبر من ذلك وقرر مواصلة الدراسة والتحصيل حتى يظفر بوظيفة تلبي طموحاته. واستطاع أن يتوفق في المرحلة الإعدادية وأن يحصل على شهادة "بروفي"، ليواصل مساره الدراسي في الطور الثانوي ليحصل على شهادة الباكلوريا خلال موسم 1959/1960، وكانت تعتبر آنذاك من الشهادات المرموقة التي تخول الولوج إلى وظائف محترمة. وقرر لحيان، بالفعل، البحث عن وظيفة قبل أن يواصل مسيرته الدراسية، وذلك ليتمكن من الحصول على دخل يمكنه من مساعدة والديه وأن يتزوج وينشئ أسرته الصغيرة. وصادفت هذه الرغبة إعلان وزارة الداخلية عن مبارة لتوظيف مترجمين في أسلاك إداراتها. فتقدم الشاب الحاصل على الباكلوريا من أجل اجتياز المباراة. عبد الواحد كنفاوي