fbpx
ملف الصباح

عبد الحي: غياب الثقة بالنفس

< لماذا برأيك صرنا نعيش ثقافة التفاخر بشكل لافت، قد تصل أحيانا حد الإدمان؟

< صحيح أنه صار ملحوظا يوما عن آخر، كيف أن الأفراد اليوم أصبحوا أكثر ميلا إلى اكتساب الوجاهة والمكانة الاجتماعية، من خلال اقتناء الأشياء الثمينة والتفاخر بها، وجعلها مرآة تعكس مكانتهم داخل المجتمع.

وأعتقد أن هذه الظاهرة مردها في واقع الحال إلى أن شراء الأشياء وامتلاكها يشعر من يؤمن بهذه الثقافة بالسعادة في درجاتها القصوى، لكن المثير أيضا في الآن ذاته، أن هذه السعادة لا تدوم طويلا، ما يدفعهم بالتالي إلى تكرار الشراء بحثا عن الغاية ذاتها.

من جهة أخرى، وجب التنبيه إلى وجود بعض الأشخاص ممن يميلون إلى التفاخر بأشيائهم الثمينة، بغية كسب التفاف الناس حولهم واهتمامهم بهم، وأحيانا قد يحدث أيضا من أجل التغطية على عيوبهم ومنح الشعور بالثقة في النفس.

هناك أيضا عامل الحسد، الذي يلعب دورا أساسيا في الموضوع، شأنه شأن السعي إلى المقارنة بالآخرين، علاوة على الفراغ الذي متى كان مرتفعا في حياة الشخص، ينتهي به الأمر إلى محاولة شغله حتى وإن كان على حساب ميزانية لا يستطيع التحكم فيها بسبب توفر بدائل للنقود مثل البطاقات البنكية والشيكات. هذه كلها عوامل تساهم في تكريس المبالغة في الشراء ثم التفاخر.

< هل هناك بعض الحالات النفسية التي تجعل أصحابها لهم القابلية في الوقوع تحث تأثير هذه السلوكات، علما أنه شاع داخل المجتمع وصف من يتفاخرون بممتلكاتهم ومظاهرهم أنهم “مرضى نفسيون”؟

< بالفعل هناك بعض الاضطرابات النفسية التي تؤدي إلى هذه الظاهرة، وتجعل صاحبها يبلغ مرحلة الإدمان على الشراء، إذ يشعر الشخص برغبة شديدة في الشراء، بل في حاجة ماسة لاقتناء مواد فاخرة، يليها الشعور بالراحة عند اقتناء الشيء، لكن الغريب أنه في بعض الأحيان يقع في دوامة من الندم بسبب ما اشتراه من أشياء. هذا بالضبط ما يقع لمن أدمن تناول المخدرات، وله التداعيات ذاتها، إذ غالبا ما يجعل هذا السلوك الشخص يعاني اضطرابات في حياته جراء التأثير السلبي لهذه الأمور، الذي يطول جميع جوانب حياة الشخص، المهنية والحياة الاجتماعية.

من بين الأمراض النفسية أيضا هناك الهوس، أو ما يطلق عليه ب “l’accès maniaque”، إذ يقوم المريض بتبذير مبالغ هامة في اقتناء الأشياء والتفاخر بها.

أما بخصوص الفئات التي تبدي قابلية مسبقة للقيام بهذه السلوكات، فهم أساسا الأفراد ضعيفو الشخصية، الذين لا ثقة لهم في أنفسهم، علاوة على فئة تكون عاشت الحرمان العاطفي أساسا في مرحلة الطفولة، وينقصها الشعور باهتمام محيطها، فتحاول تعويض هذا النقص ب”شراء اهتمام الناس”، أي أنهم يستعملون التفاخر وسيلة ل”الدفاع النفسي”. فضلا عن ذلك، هناك فئة أخرى، يجسدها في الغالب المراهقون، هؤلاء يعتبرون الحصول على المواد الفاخرة والتفاخر بمقتنياتهم من تجهيزات إلكترونية وملابس من أرقى الماركات العالمية وما قاموا به من رحلات إلى أغلى وجهات السياحة، يدخل في خانة “الكرامة”، وسبيلهم الوحيد إلى الانتماء إلى “المجموعة”.

<  هل “التركيبة النفسية” للنساء تجعلهن أكثر إقبالا على مثل هذه الممارسات أم أن الرجال معنيون أيضا؟

< صحيح أن النساء هن أكثر عرضة من الرجال لهذه الظاهرة، إذ أنهن يشعرن بالسعادة والمتعة أثناء التسوق أكثر من الرجال. لكن بالنسبة إلى الرجال، فالأمر يحدث في الغالب في مرحلة المراهقة والشباب أساسا، لعوامل سبق أن أوضحتها، إذ عموما الرجال لا يحبون التسوق، ومن منهم يقوم به، فهو يقصد المنتوج الذي يرغب به، أي أن مشترياتهم تكون محددة سلفا، عكس النساء اللواتي يجدن متعة ولذة أكبر في التسوق والتنافس في ما بينهن حول من حصلت على أفضل المنتوجات أو من لها حياة أفضل.

*(اختصاصية في العلاج النفسي والإدمان)

أجرت الحوار: هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى