fbpx
خاص

بانوراما الصيف: رائد الأغنية الأمازيغية 7

الحاج بلعيد يمدح محمد الخامس ومولاي يوسف

يعتبر الفنان الرايس الحاج بلعيد من شعراء ورواد الأغنية الأمازيغية دون منازع، وينسب إليه تأسيسها، واعتبره البعض أباها الروحي وقيدومها، فهو شاعر ومبدع وموسيقي كبير وأحد الرموز التاريخية للمشهد الثقافي والغنائي والفني الأمازيغي عامة، والسوسي خاصة.

كما اعتبره البعض الآخر فلتة من فلتات التاريخ، ربما لن يجود الزمان بمثلها ثانية، فهو فريد وغير قابل للتقليد، ما زالت مقطوعاته تتداول من جيل إلى آخر داخل الوطن وخارجه، خاصة بأوربا، إذ ما زلنا نرى في كثير من منازل أهل سوس صورة الحاج بلعيد بجانب صورة محمد الخامس تزين جدران بيوتهم.

احتلت القصيدة المدحية عند الفنان الكبير الرايس الحاج بلعيد حيزا هاما في أعماله الشعرية، ويمكن أن نقول إنه أكثر الشعراء استعمالا للمدح في زمانه، وعلل الباحثون ذلك بأن تلك المرحلة تفرض ذلك بحكم الأوضاع السياسية والثقافية والاجتماعية شبه المسترقة للمرحلة. وتكفي جولة في قصائده ليتبين أن الحاج بلعيد مدح شيوخ القبائل والقواد والسلاطين وكبار تجار سوس، هؤلاء الذين نال رضاهم وعطاياهم، إذ كانوا يكرمونه ويستقبلونه أياما وأسابيع، بل شهورا عند أعز رجال المخزن لديه، ألا وهو القائد الحاج الكلاوي.
ويقول الباحث الحسين بن إحيا في رسالته أن الحاج بلعيد كان يدرك جيدا أن المادح ما هو إلا بوق دعاية، يشيد بمفاخر الممدوحين الذين ينتمون إلى فئات مختلفة، وكان يشيد بمحاسنهم وأخلاقهم النبيلة مع تجنب ذكر المساوئ وأخلاقهم المذمومة، خاصة أن هؤلاء أحسنوا إليه وأكرموه كما أكرموا وأحسنوا إلى عامة الناس من الفقراء والمحتاجين، يقول في أشعاره (أر أدراغ زِّين، بدرغ ئرﮔازن، بدرغ لاحباب * بدرغ ئمغارن، دوِّيلي مُوشِّيح لخِير نسن). وفي إحدى القصائد يشير الحاج بلعيد إلى أنه استفاد استفادة مادية من الشيوخ والقواد والأعيان الذين أفنى معهم شبابه وشيخوخته ولم يخف ذلك حين قال (أدّ نساقسا وِّلِّدا تنصريفح * نﮕا دار لقِّييُود ؤلا ئنمغورن * وِّلِّدا زريغ شباب ئنو، فكينانغ * لمِيَّات ناضود نيت داغ أُرنخالف). كما أن الحاج بلعيد كان يصنف ممدوحيه تصنيفا تراتبيا، فبعد مدح الشيوخ والقواد والأعيان والتجار ينتقل إلى عامة الناس من أحبائه. وحسب الباحث الحسين بن إحيا، يمكن تصنيف قصائد الحاج بلعيد المدحية إلى ثلاثة أجزاء:

مدح السلاطين والملوك
يقول الشاعر الحسن البونعماني “قلما نجد شاعرا لم يقل شعرا في مدح السلطان أو من له نفوذ سلطاني، فقد مدح شعراء سوس سلاطين المغرب عبر تاريخه إلى اليوم”. ونظرا لأسباب سياسية مرتبطة بتغول المستعمر المحتل وممثليهم من القياد والباشوات، فإن السلاطين لم يحظوا، خلال هذه المرحلة، بمدح الشعراء بشكل كبير، إلا أننا نجد الفنان الحاج بلعيد أنشد قصيدة طويلة نوه فيها بالأعمال الجليلة الخيرية والاجتماعية التي يسهر عليها السلطان محمد الخامس بالمغرب عامة وبسوس خاصة (“مولاي موحماد ءاصلطان ءِصفا لقلب نون * نْتْ كا يوسينْ لْهمْ ءِحيا تيميزار نسوس * ءُلا لوزارا دْ لحكام ءِيناياسن ءُوكليد ءأتاسيم * تومزين أُلا سكار دْ إردنْ سْ تيميزار نسوس * ؤلا لﮕراج لمخزن فكاناس لادن غ ؤغاراس * شانطي توصل تلكمداك أدرار ؤلا أزغار”).
وهكذا يواصل الحاج بلعيد الثناء على السلطان محمد الخامس بسبب ما قدمه لبلاد سوس لإخراجها من ضائقتها بعد توالي سنوات الجفاف، فزود سوس بالمواد الاستهلاكية من زيت وسكر وشاي وشعير، كما أشاد في شعره بالزيارة الملكية للمغاربة المهاجرين بفرنسا خلال المعرض الدولي سنة 1931.
كما وصف لنا الحاج بلعيد مدى الحفاوة الكبيرة التي اُستقبل بها السلطان مولاي الحسن بن يوسف أثناء زيارته لمدينة تيزنيت (تيزنيت لبوشارت ئرا تفرح تمازيرت: أييه أبو شاهوا * ؤلا لبيبان ن صُّور د لبروج لِّي ﮔيسن: أييه أبو دَّيرا *  ئِلاقدام نُّون أشريف أشكو نحتاجاتن: أييه أبو دايرا * مولاي لحاسان أَلوكيل ؤُﮔليد نخ: أييه أبو دايرا).

مدح الباشوات والقواد
بحكم علاقته الوطيدة بالقواد والباشاوات والعمال، كان لهؤلاء نصيب الأسد في المدح والثناء في قصائد الحاج بلعيد وذكر الكثير منهم بأسمائهم وصفاتهم، بل خص البعض منهم بقصائد فريدة كما وقع مع الحاج التهامي بن محمد المزواري الﮕلاوي، باشا مدينة مراكش في عهد الحماية الفرنسية، حيث توطدت العلاقة الحميمية بينهما إلى أن قال بلعيد في حقه (أصلطان أﮔلاوو مليِّي ما تريت * أك سرس نغرم أجميل ئغ كاسول ندر * ئزد أدهدوغ ئخف ئنو ناويد لعدول * أداون أراغ ئِسْ نﮓ وِنون ﮔيغ إسمﮓ). وهكذا وصل الحد بالحاج بلعيد أن يهدي نفسه للقائد الكلاوي اعترافا بالجميل وما قدمه له من أموال. والسلوك نفسه حدث مع القائد عياد الجراري الذي كان يقيم في رياضه بأيت جرار بإقليم تيزنيت، حيث أنشأ مركزا أدبيا كبيرا يحج إليه العلماء والأدباء من حدب وصوب.

مدح التجار وكبار الشخصيات
كان لرجال بارزين في الميدان الاقتصادي والديني والعلمي والاجتماعي نصيبهم في المدح في قصائد الحاج بلعيد، وتجاوز ذلك إلى ذكر ومدح صاحب شركة “بيضافون” التي كان يسجل فيها أغانيه، بالإضافة إلى الإشادة بالشركة المغربية للنقل والمشرف عليها “فيرناند باروطيل” بحكم أن الشركة منحت له بطاقة السفر بالمجان. كما مدح أعيان تيزنيت الذين حضَّروا لزيارة السلطان مولاي الحسن، ومنهم الشيخ بلعيد وسي الحسين والباشا والحاج الحسين “ﮔُو ﮔلو”. ولم ينس الحاج بلعيد بعض الرموز الدينية والصوفية والعلماء الذين عاصرهم وعُرفوا بعلمهم الغزير.

إبراهيم أكنفار (تيزنيت)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى