خاص

بانوراما الصيف: تجارة النساء…الوجه الجديد للاسترقاق – الحلقة الخامسة –

بورما…حرب ضد النساء

تغوص الكاتبة والصحافية المكسيكية ليديا كاتشو، في كتابها، «تهريب النساء»، في العالم المظلم لتجارة الجنس، لتظهر أن القوانين والمواثيق العالمية لم تتمكن من الوقوف في وجه ظاهرة استرقاق البشر، في شكلها المتمثل في الاستغلال الجنسي للنساء والفتيات الصغيرات، والتي أضحت تتخذ أشكالا أكثر تنظيما تشرف عليها «مافيات» منظمة، وتحظى، في

أحيان كثيرة، بحماية السلطات الرسمية.  ولأجل ذلك، جابت كاتشو ثلاث قارات في تحقيق دام خمس سنوات، استمعت خلاله إلى المهربين والضحايا اللواتي يتحول كثير منهن إلى مستغلات، والوسطاء والزبناء وأعضاء في المافيا والجسم العسكري والسلطات العامة، التي تتفشى في أوساطها الرشوة بشكل كبير، كما التقت أيضا ضحايا تمكن من الخروج من مستنقع الاستغلال الجنسي.
تورد «الصباح» في هذه الحلقات مقتطفات من رحلة كاتشو، التي قادتها إلى تركيا وفلسطين وإسرائيل واليابان وكمبوديا وبيرمانيا والفييتنام والأرجنتين والمكسيك، واستقت منها أزيد من مائة شهادة صادمة في بعض الأحيان، تؤكد العلاقة ما بين غنى وسلطة المستغلين، والفقر والفروق الاجتماعية التي يعانيها الضحايا.

ساهمت ظروف الحرب والنزاعات الداخلية التي عرفتها بورما في رواج تجارة واستغلال الفتيات البيرمانيات الصغيرات، خصوصا من طرف الجنود الذين يعتبروهن أدوات للمتعة الليلية. ورغم أن دخول البلد يظل أمرا صعبا بالنسبة إلى الصحافيين، والأصعب منه التحقيق في تجارة الأطفال والنساء التي يسيطر عليها الجيش، فإن بعض النشطاء تمكنوا من إثبات وجود مئات الفتيات اللواتي تعرضن للاغتصاب والقتل على يد الجيش، وتصوير ظروف الاعتقال الصعبة التي يعشن فيها.
يعاني سكان بورما الظروف الصعبة نفسها التي يعانيها سكان كل المناطق التي تعرف حروبا وتوترات سياسية، مثل فلسطين وأفغانستان والعراق. ويجد نشطاء حقوق الإنسان صعوبة في العمل في سرية تامة حتى لا يعرضوا حياة الضحايا إلى الخطر، اللواتي يخشين حتى الحديث عن معاناتهن.
نان، امرأة بيرمانية لا يتجاوز عمرها الثلاثين، لكنها تبدو في الخمسين من العمر. لا تجرؤ على رفع عينيها حرجا من الندبة البارزة على وجهها، والتي تذكرها بالضربة التي تعرضت لها، التي فقدت على إثرها إحدى عينيها. كانت نان في الخامسة عشرة من العمر عندما سلمها والدها إلى جندي، كان يدعي أنه يستقطب فتيات عذراوات وبصحة جيدة للعمل لصالح الحكومة. «كنت قليلة الاطلاع على ما يجري في المجتمع. تربيت في منزل محافظ جدا حيث لا حديث أبدا عن الجنس. مشيت كثيرا رفقة الجندي حتى وصلنا إلى عربة قديمة بها جنود آخرون، أخذوا يتحسسون جسدي، فتبولت من شدة الخوف وأخذوا يستهزئون بي». بعد اغتصابها جماعيا، تم بيع نان إلى منزل دعارة على الحدود التايلندية، حيث استغلت لسنتين قبل أن تتدخل جمعية مسيحية ليفرج عن جميع الفتيات ويرحلن إلى بلدهن، بورما. بعد تسليمها إلى السلطات في بورما، تعرضت للضرب والتعنيف من طرف أحد الجنود الذي اتهمها بالخيانة ووجه ضربة إليها بسلاحه، كادت أن تفارق على إثرها الحياة، واستطاعت أن تنجو بعد تدخل طبيب من الصليب الأحمر الدولي، رغم أنها فقدت إحدى عينيها.
حسب الجمعيات النسائية، فإن رانغون لوحدها تضم ما بين 5 و10 آلاف امرأة أجبرت على ممارسة الدعارة من أجل البقاء على قيد الحياة. وحسب المصادر ذاتها، فإن حوالي 47 ألف امرأة بيرمانية تعيش في مخيمات للاجئين في تايلند وما بين 800 ألف ومليونا ونصف المليون شخص يهاجرون من بورما بحثا عن مورد رزق في بلد آخر.
ويفيد التحالف من أجل مكافحة الاتجار بالنساء أن حوالي 200 ألف امرأة وفتاة صغيرة من بورما هن ضحايا الاستغلال الجنسي، ويتم بيعهن في كراتشي بباكستان من أجل ممارسة الدعارة أو التسول. وحسب البنك الآسيوي للتمنية، فإن 25 في المائة من المراهقات اللواتي يمارسن الدعارة في بورما حاملات لفيروس «في إي أش» وعدد منهن مصاب بالسيدا. وتفيد شهادات استقتها منظمات نسائية بتعرض فتيات للاغتصاب أثناء الاستعراضات العسكرية، أخرى حول نساء في أشهر متقدمة من الحمل تعرضن لاغتصاب جماعي طيلة اليوم من طرف 50 شخصا بالتناوب، بالإضافة إلى حالات أخرى للعنف وسوء المعاملة.
وكما هو الحال في دول آسيوية أخرى، حيث يتم استعمال اسم «بار كارا أوكي» من أجل التغطية على نشاطات أخرى يزاولها المحل، أنشأ في بورما عدد من شركات «الترفيه» مختصة في «عروض الأزياء»، بعضها تبين أنه يخضع لإشراف عناصر من الجيش. ودعا أفراد المجلس العسكري في بورما أعضاء المافيا الدولية لاستثمار أموالهم «السوداء» في البلد، وبشكل خاص في شركات النقل والبنيات التحتية. وتتوفر الأبناك على ودائع تمكن من تبييض أموال مجموعات تجارية في بانكوك أو سنغافورة.
على الجانب الآخر من الحدود، وبالضبط في الأراضي التايلندية، عشرات الفتيات الصغيرات يتجولن في «ماي سوت»، يلاحقن السياح أملا في نيل بعض النقود، بينما يصاحبهن أهاليهن أحيانا بحثا عن «إتمام» صفقة لمنحهن إلى سياح أجانب من أجل التبني مقابل مبالغ مالية غالبا ما تكون هزيلة. وتنكر السلطات التايلندية استفحال ظاهرة استغلال الفتيات الصغيرات في الدعارة كما هو الشأن في بورما. «أغلب هؤلاء الفتيات يعجبهن الأمر. إنهن عاهرات»، يقول أحد أفراد مصالح الهجرة بلهجة ساخرة، مثل آلاف الرجال عبر العالم الذين لا يتوقفون عن الترديد بأن النساء المستغلات جنسيا هن السبب في الظروف التي يعشنها، وأنهم، أي زبناءهم المفترضين أو الحقيقيين، ليس لهم خيار آخر سوى الخضوع لرغبات هؤلاء النسوة!

صفاء النوينو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق