خاص

بانوراما الصيف: ربع قرن من التعذيب

تسريب لائحة المعدومين وخريطة المقبرة إلى جمعية فرنسا الحريات (الحلقة الثامنة)
عبد الله لماني

لماني : ساعدني طبيب العيون على نقل تقارير إلى الخارج

عبد الله لماني الكهربائي الذي اختطف من طرف عصابات بوليساريو أثناء سفره من البيضاء إلى طاطا هو من كشف وجود مدنيين مختطفين بالسجون الجزائرية، بعد أن سرب من داخل سجن الرابوني لائحة بأسماء وهوية 142 أسيرا مغربيا أعدموا من طرف المخابرات الجزائرية وخريطة مقبرة جماعية ل45 مغربيا ضمنهم عشرة مجهولي الهوية، لجمعية فرنسا الحريات التي ترأسها دانييل ميتران زوجة الرئيس الفرنسي السابق، ويتساءل عن مصير التقرير الفرنسي الذي أعاد جمعية فرنسا الحريات إلى صوابها، وأبرز لها حقائق ما يجري بسجون تندوف، وعن مصير مندوبة الجمعية عفيفي كرموس الفرنسية ذات الأصول التونسية، والتي دمعت عيناها عند رؤيتها جحيم تندوف، فقررت دعم الأسرى المغاربة، لكن اسمها اختفى واختفى معه  التقرير الصادم للسلطات الجزائرية الذي سبق أن نشر على موقع الجمعية الالكتروني.
< كيف كان لقاؤك بالطبيب الفرنسي جراح العيون الذي قبل دعم قضيتك؟
< كنت اقترب من أعضاء الجمعيات بعدما خفض الضغط الأمني وتجاوب الحراس معنا الذين وثقوا بنا، تعرفت سنة 1997  على طبيب جراح فرنسي يدعى ميشيل أيستر طبيب العيون، كان  ضمن الطاقم الطبي للصليب الأحمر الدولي، كما كان يشغل منصب رئيس جمعية “ايس أو ايس”  لمرض العمى، أطلعته على مأساتي رفقة أربعة عشر مدنيا معتقلين داخل السجن، وكيف ومتى وأين  تم اختطافي، فأكد لي أنه مستعد للدفاع عن قضيتي، كان يجري عمليات جراحية للسجناء، واقترحت عليه أن أمده ببعض المعلومات، ليوصلها إلى جهات يمكن لها أن تدعمنا، وافق الطبيب الذي كنت أصاحبه يوميا طيلة فترة إقامته، وبعد أن كلفت بمساعدته لاستقبال المرضى، أوضحت له أنني كتبت عدة تقارير باللغة العربية، وان عليه أن يجد مترجما لها، فقبل مساعدتي.
عدت إلى الحفرة التي أخبئ بها الأوراق محشوة داخل كيس بلاستيكي، بعد عدة أيام من التربص، وبعد أن تمكنت من مراوغة الحراس، لكن الصدمة التي تلقيتها مباشرة بعد إخراج الكيس كادت أن تذهب بما تبقى من عقلي، فالأوراق التي عشت خلال ثماني سنوات أكتب فيها وأخبئها داخل الكيس، تعرضت لرطوبة الشتاء وحرارة الشمس.
عدت خاوي الوفاض بنفسية محطة، لأخبر الطبيب الذي كان سيسافر في اليوم الموالي إلى بلده، فتألم لحالي، وأكد لي أنه مستعد للعودة خلال السنة المقبلة 2002، وأن علي محاولة الكتابة من جديد، وأعطاني قلم حبر بمصباح صغير في مقدمته يساعد على الكتابة في الظلام، كما قام بإعطاء رشاوى (قنيني خمور رفيعة وعطور…) للحراس ومسؤولي الأمن داخل السجن من أجل الاعتناء بي، على أساس أنني ممرض بارع، وعهد إلي بصيانة الأجهزة والفضاء المعد للفحص، ليطمئن على أنني لن أتعرض لأي أذى أو انتقال إلى سجن آخر، فوعدته بأن أعيد كتابة تفاصيل كل ما جرى ويجري، باللغة الفرنسية، لأسهل عليه عملية الاطلاع  واتخاذ القرارات الصائبة.
تمكنت من الحصول على أوراق بيضاء بعد أن خف ضغط المسؤولين الأمنيين، كما استطعت أن أحصل على صورة لي بعد أن قدمت رشوة لأحد الحراس بمبلغ خمسين دينارا جزائرية، وكتبت عليها بخط يدي رقم  الصليب الدولي الخاص بي  هو3458،  وأعدت كتابة المعلومات، ووضعت في الحسبان أن ما أكتبه سينشر ذات يوم، وعلي أن أكون دقيقا في معلوماتي.
بدأت أكتب ليلا، كما اخترت أن أبقى منعزلا حتى من أقرب صديق لي التطواني الذي اختطفت صحبته سنة 1980 وفرق بيننا بوليساريو، ثم التقيته سنة 1985، وافترقنا لنلتقي سنة 2000. كنت أحفر في المكان الذي أنام فيه وأخبئ الأوراق، بعد سنة كتبت حوالي 100 صفحة.
< كيف تمت عملية تسريب الكتاب إلى طبيب العيون؟
< كانت فترة عصيبة جدا بالنسبة لي، فقد عاد الطبيب في السنة الموالية 2002، وطلب حضوري بالاسم من أجل مساعدته، وبرر لهم ذلك بكوني أخذت التجربة، وأنني أتقن اللغة العربية والفرنسية، وسأكون خير رابط بينه وبين الأسرى المرضى، لكن الرسائل التي سبق وسربت بمساعدة الجندي القاسمي، والتي كانت السبب في تعرف هيأة الصليب الأحمر الدولي على أن سجن الرابوني يضم سجناء مدنيين، جعلهم يشكون في أمري، ورفضوا طلبه، وأحالوني على العمل مساعدا لطبيب نفساني سويسري اسمه جوزيف ميرنيير داخل غرفة بها باب مغلق يؤدي إلى غرفة أخرى، جعلوا داخلها جواسيس يتنصتون علينا.
أشرت إلى الطبيب بوجود جواسيس، فقرع الباب المغلق، واستنكر العمل، وطالب بغرفة أخرى فرفضوا، وتفاقم الوضع  ما جعل الطاقم الطبي يتوقف عن العمل  لمدة يومين، وزاد شكهم في، فجاءني المدعو  “ولد كردلال”، مجرم سفاح يتكلم الدارجة واللهجة الجزائرية والفرنسية، وأمرني بعدم الخروج من الزنزانة، قبل أن يتراجعوا ويقبلوا طلب طبيب العيون بشرط أن يكون معنا حارس أمني.
< كيف تم تسريب لائحة الأسرى المغاربة المعدومين داخل السجون الجزائرية وخريطة المقبرة الجماعية ل45 منهم  إلى  جمعية فرنسا الحريات التي ترأسها دانيال متيران زوجة الرئيس الفرنسي السابق؟
< خلال شهر ماي من سنة 2003، حلت فرنسيتان ممثلتان لجمعية “فرنسا الحريات” بسجن الرابوني، حيث أوجد مع المئات من الأسرى ضمنهم 14 مدنيا، كان يصطحبهما مسؤول أمني يدعى محمد ولد الميلودي، قدم لنا السيدتين على أساس أنهما مبعوثا الجمعية، وأنهما جاءتا للاستماع إلينا، وابتعد المسؤول الأمني، تاركا الفرنسيتين رفقة مغربي أسير أصبح عميلا للجبهة ينقل لها تقارير يومية، مقابل التغذية وإعفائه من التعذيب والأعمال الشاقة اليومية.  يتعلق الأمر باولين ديبويسان الناطقة الرسمية باسم الجمعية وعفيفة كرموس تونسية الأصل وفرنسية الجنسية.
كنت حينها قضيت 22 سنة سجنا، ولم أعد أفرق بين الحياة والموت، فخرجت بين حوالي 600 أسير جالسين أمام الفرنسيتين، وقلت إنني مدني، اختطفوني من داخل أرض مغربية ليس بها نزاع، فردت علي أحداهما بأنها ستمر على كل واحد من السجناء، وتستمع إليه بشكل منفرد، وأنهما ستقيمان لمدة أسبوع بالمنطقة.
بعد أيام طلبت الفرنسيتان لقائي، فصرحت لهما بأنني واحد من بين أربعة عشر مدنيا مختطفا، لا علاقة لنا بالحرب، وأن هناك جنودا مغاربة كانوا معتقلين داخل سجن بوغار الجزائري، وأعطيتهم أسماء بعضهم،  وخيرنا بين تسجيلنا أو كتابة حقائقنا، فقلت لهما أن تسجلانا وتذهبا باعترافاتنا إلى حيث تشاءان .
وتم تسجيل كلامي بالفرنسية وكلام صديقي بالإسبانية، وأعطيت الفرنسيتين لائحة المعدومين التي تضم رقم الصليب الدولي إن توفر أو الرقم العسكري للعسكريين وهوية القتلى…، وهي اللائحة التي نشروها ضمن تقرير الجمعية سنة 2003  وبها 142 شخصا معدوما مدنيين وعسكريين، كما أعطيتهم رسما خرائطيا خاصا بمقبرة جماعية قرب سجن الرابوني بها 45 مغربي مقتولا بلوائح وأسماء المعدومين وعشر مقابر مجهولة.

أجرى الحوار: بوشعيب حمراوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق