خاص

بانوراما الصيف: ساحات التحرير

سيدي بوزيد… المدينة الثائرة

نشأت منذ1901 وتعاقبت عليها عدة حضارات بدءا بالبربر والرومان ووصولا إلى الإسلام

لا يكتمل المشهد في الثورات العربية إلا بتحديد الإطار المكاني، فسنة 2011 هي سنة «ثورية» بامتياز، بل من أكثر السنوات إثارة في تاريخ العصر الحديث، فجرها محمد البوعزيزي، فتطايرت دماؤه لتمتد إلى مصر وليبيا
واليمن وسوريا .. ومن منطقة سيدي بوزيد ابتدأت رحلة ساحات ومدن ثائرة تتحدى قمع الأنظمة
وأسلحة الجيوش.. في الحلقات التالية قصص مدن وميادين نالت شرف احتضان
الجماهير الغاضبة، وكتبت بدمائهم تاريخ جديدا للعرب.

توهجت مدينة سيدي بوزيد بتونس، منذ الإعلان عن هروب الرئيس السابق زين العابدين بن علي، فقد نالت شرف «زعيمة» المدن الثائرة في العالم العربي، لكن خلف وسام الشرف عانت المدينة التهميش واللامبالاة من طرف النظام السابق على امتداد سنوات طويلة، قبل أن تتناقل وسائل الإعلام قصة انتفاضتها.
احتضنت سيدي بوزيد الثورة، ومنها انطلقت زغرودة «إذا الشعب أراد يوما الحياة، فلا بد أن يستجيب القدر»، فروى أبناؤها بدمائهم شوارعها دفاعا عن حقهم في الحرية، بعيدا عن أعين النظام البوليسي، قبل أن تنتقل الشرارة إلى باقي المدن التونسية. فمن هي مدينة «سيدي بوزيد»؟
تحكي المراجع والكتب التاريخية أن ولاية سيدي بوزيد هي إحدى ولايات الجمهورية التونسية ال24 منذ سنة 1973، ومساحتها 6994 كيلومترا مربعا، وهي مقسمة إلى 12 جهة، أكبرها سيدي بوزيد الغربية وسيدي بوزيد الشرقية والرقاب وجلمة والمزونة، وتشتهر الولاية بالنشاط الفلاحي، ومن أهم إنتاجها الخضر، وزيت الزيتون،(الثانية على مستوى الجمهورية).
وتعود نشأة مدينة سيدي بوزيد إلى سنة 1901، إذ تم تشييد بعض البناءات بها، ومنها بناء المدرسة الابتدائية بشارع الجمهورية حاليا «المدرسة الابتدائية بالهمامة»، وفي سنة 1909 بدأت نواة المدينة تزاحم القرية القديمة المعروفة ب»الصداقية» وهي إحدى ضواحي المدينة اليوم، قبل أن تعرف  المدينة تطورا عمرانيا بعد إعلانها مركزا للولاية سنة 1973.
 وحسب المؤرخين، فقد عثر بالمدينة على آثار الانسان البدائي وأدوات صيد مصقولة من حجر الصوان، وتعاقبت عليها عدة حضارات، انطلاقا من البربر مرورا بالرومان، ووصولا الى الفتوحات الاسلامية، فقدوم بني هلال أواسط القرن الحادي عشر ميلادي. لكن كيف اندلعت شرارة الثورة في مدينة هادئة؟
في التفاصيل خرج آلاف الشباب العاطلين عن العمل من ذوي الشهادات العليا من الولاية، تضامنا مع البوعزيزي الذي كان لهم بمثابة الدافع الاساسي، لشق ثوب الخوف والمطالبة بحقهم في العمل ومقومات العيش الكريم ووضع حد للفساد والرشاوي والمحسوبية، لكن لا أحد فكر حينها في الاطاحة بالنظام، رغم لجوء الدولة إلى بعض الحلول لحل مشاكل البطالة والإسراع في بعث مشاريع جديدة في سيدي بوزيد، بل أكثر من هذا استدعيت عائلة البوعزيزي من قبل الرئيس فواساهم وقرر أن يعوضهم خسارتهم في أبنائهم.
ونتج عن المظاهرات التي شملت مدن عديدة في تونس سقوط العديد من القتلى والجرحى نتيجة عنف قوات الأمن، وأجبرت الرئيس زين العابدين بن علي على إقالة عدد من الوزراء، بينهم وزير الداخلية، وتقديم وعود لمعالجة المشاكل التي نادى بحلها المتظاهرون، كما أعلن عزمه على عدم الترشح لانتخابات الرئاسة عام 2014، وتم بعد خطابه فتح المواقع الإلكترونية الممنوعة بعد 5 سنوات من الحجب، بالإضافة إلى تخفيض أسعار بعض المنتجات الغذائية. لكن الاحتجاجات توسعت وازدادت شدتها حتى وصلت إلى المباني الحكومية، مما أجبر الرئيس على التنحي عن السلطة ومغادرة البلاد بشكل مفاجئ، وكتب على المدينة الصغيرة أن تطفو على ساحة المدن الثائرة في العالم.

خالد العطاوي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق