fbpx
خاص

بانوراما الصيف: قصص عن أشهر ملكات العالم (9)

كاترين الثانية… إمبراطورة روسيا التي بنت المساجد

منذ فجر التاريخ والمرأة تسعى إلى إثبات نفسها في مراكز الرجال، وعلى رأسها عروش الحكم، إلا أنه كما أتاح لها هذا الطموح ارتشاف حلاوة السلطة والشهرة والجاه، كان لزاما عليها أيضا أن تتجرع مرارة القتل من أجل الحفاظ عليه لينتهي بها الأمر في بعض الأحيان إلى قاتلة أو مقتولة أو الاثنين معا .
هذه الحلقات تعرض لملكات قمن بشؤون دولهن أحسن ما يقوم به الملوك العظام، بل إن منهن من قدن الجيوش وخضن معمعات المعارك والحروب واستعملن من سعة الحيلة وضروب الخداع ما يقصر عن إتيانه كبار الساسة والدهاة من الرجال، ويروي الحيل التي لجأن إليها أحيانا والمغامرات العاطفية لبعضهن.

التصقت الأميرة ذات الأربعة عشر عاما بأمها، في المركبة المغطاة بالثلوج ذات يوم من شتاء سنة 1943. لم يكونا في طريقهما إلى حفل عيد ميلاد عاد، وبينما كانت مجموعة الجياد التي تتصبب عرقا تقترب من موسكو، أخذت تلف عبر الأبراج والحصون العجيبة الرائعة، تساءلت كاترين متعجبة عما عساها تكون هذه الأرض الشاسعة الغامضة التي يدخرها الغيب لها، وربما لم تكن تدري أن إليزابيث، إمبراطورة روسيا، اختارتها عروسا لابنها ووريثها الجراند دوق بطرس، وهي الأميرة التي تنتمي إلى دولة ألمانية صغيرة، لتصبح كاترين العظمى، إمبراطورة روسيا.
ولدت كاترين، واسمها الأصلي صوفي أوجستا فريدريكا، كأميرة عين شمس عام 1729، حمل والدها رتبة محافظ مدينة تشيتشن في بولندا باسم ملك بروسيا، ووفقا للعرف السائد آنذاك بين طبقة النبلاء الألمانيه، تلقت تعليمها بصورة رئيسية بالفرنسية.
ونتج اختيار صوفي كزوجة القيصر المرتقب بيتر الثالث، ملك روسيا عن الإدارة الدبلوماسية، التي قالت بضرورة تعزيز الصداقة بين بروسيا وروسيا من أجل إضعاف نفوذ النمسا. ولكي يرضى عنها الروس الذين كان أملها أن تحكمهم في يوم من الأيام، اتخذت لنفسها اسم كاترين، الذي كان من الأسماء المألوفة في روسيا، وتعملت اللغة الروسية واعتنقت المذهب الأرثوذكسي، بل إنها راقت للإمبراطورة إليزابيث الأم وأثرت فيها، فقد كانت تطيعها في كل أمر، وكانت الرفيق الدائم المسلي لها، فأحرزت بذلك قبولا عظيما لدى البلاط، وجمعت حولها حلقة من الأصدقاء المعجبين، الذين كانوا على استعداد لتقدم العون لها في أي وقت.
وفي يوم عيد الميلاد من عام 1761، توفيت إليزابيث، وأصبح زوج كاترين إمبراطورا، إلا أن غباءه خلال شهور حكمه الوجيزة أفرز أعداء كثيرين، ولكراهيته زوجته وخوفه منها، كال لها الاتهامات القاسية، وأعلن أنه يود الزواج من غيرها، فدبرت عملية اختطافه شهر يوليوز من العام ذاته بمعونة أصدقاء لها من البلاط، وأعلنت نفسها إمبراطورة رسمية على روسيا.
أثارت الإمبراطورة كاترين الذهول والإعجاب، وأجمع الكل أن أعوام حكمها الأربعة والثلاثين من أعظم الفترات التي مرت بها روسيا، فلقد ازدهرت الصناعات والتجارة ونمت، وتم إنشاء أول بنك حكومي وإصدار العملة الورقية للمرة الأولى، واتخذت إجراءات صارمة لحماية الصناعة الوطنية، من خلال حظر استيراد السلع التي يمكن إنتاجها في البلاد. وكانت تولي العلوم والثقافة والفن عناية فائقة، وأولت اهتماما بالغا بقضايا التعليم، خاصة تعليم الفتيات، حيث افتتح في عهدها عدد كبير من الجامعات والمعاهد والمدارس والمكتبات والمطابع، فضلا عن صدور الصحف والمجلات المختلفة.
شهد عصر كاترينا الثانية تبدلا جذريا في سياسة الحكومة القيصرية بالنسبة إلى الإسلام وسكان روسيا المسلمين عقب تربعها على العرش عام 1762، فقد كانت الإمبراطورة الجديدة تعبر عن آراء ومواقف الفئة المتنورة من ممثلي الأوساط الحاكمة الروسية الذين أدركوا تماما فشل محاولات السلطات الرسمية الرامية إلى إزاحة الإسلام وإكراه المسلمين على اعتناق المسيحية، التي أدت على امتداد قرنيين من الزمن إلى اندلاع الانتفاضات داخل البلد، وتعقيد العلاقات بين الإمبراطورية الروسية والدول الإسلامية.
ونزولا عند رغبة رجال الدين الإسلامي في بعض المناطق الروسية مثل جزيرة القرم والأورال وريزان، أصدرت كاترينا الثانية تعليماتها إلى المسؤوليين لبناء عدد كبير من المساجد، كما ارتأت بنفسها أن ثمة أهمية خاصة لتشييد مساجد في سيبيريا من أجل جذب تجار بخارى لممارسة النشاط التجاري هناك.
وتلبية الحاجات الروحية للمسلميين في قراءة القرآن الكريم تم في عهد كاترينا الثانية إصدار القرآن باللغة العربية عام 1787، ثم أعيدت طباعته في الأعوام 1790- 1793-1796.
ولم تكتف هذه الإمبراطورة بهذه الإجراءات تجاه رعايا الدولة الروسية المسلمين، بل حرصت على صياغة هذه الإصلاحات في مراسيم وقوانين لتنظيم أحوالهم الدينية، فقد أصدرت في عام 1783 مرسوما يقضي بمنع التعميد القسري وإزالة تأثير رجالات الدين المسيحي على القضايا المتعلقة بالدين الإسلامي، وحفظها ضمن دائرة اختصاص السلطات المدنية. كما أوصى المرسوم الكهنة الروس بدرء النعرات الدينية بين المسلمين والمسيحيين لكي يسود بينهم الوئام والوفاق.
وفي عام 1764 وضعت القيصرة الجديدة نهاية التعميد الإجباري للمسلمين، عبر إلغاء الهيأة الرئيسية للتبشير في قازان، وقامت في العام ذاته بزيارة لهذه المدينة للاطلاع على أحوال المسلمين هناك، واستجابت لرجال الدين الإسلامي التتار بخصوص السماح ببناء المساجد في قازان التي كانت محرومة من أماكن العبادة أزيد من مائتي عام، بموجب حظر فرضته السلطات القيصرية على تشييد المساجد في أماكن الإقامة المشتركة للسكان المسلمين والمسيحيين.
كما صدر مرسوم قيصري بإحداث إدارات دينية للمسلميين في القسم الأوربي من روسيا وبعض المناطق الأخرى. وكانت الحكومة الروسية تدفع رواتب العلماء الدينيين والأئمة وجميع الذين يعملون في هذه الإدارات أو يخدمون في المساجد.

هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى