ملف الصباح

“السربيس” لا يميز بين الرجل والمرأة

قائدة مقاطعة حي طارق تخلصت من تخوف البداية وتحصي اليوم أوجه نجاح تجربتها أولى امرأة سلطة بفاس

يسود الاعتقاد باستحالة دخول المرأة إلى بعض المهن الموسومة بالذكورية طيلة عقود. لكن الحقيقة عكس ذلك، فهي أبانت علو كعب حتى في تلك الحرف العضلاتية بامتياز، فبالأحرى في مهن ترتكز على التجربة والدراسة والتحصيل العلمي، وولجت ميادين نافست فيها بشدة الرجل منافسة شريفة وعن إيمان ب»قضية» لم تكن حين رغبت في كسبها، محتاجة إلى غير الإرادة.
حين دخلت المرأة غمار دواليب السلطة، بعد فتح باب مدرسة استكمال أطر وزارة الداخلية في وجهها، راهن الجميع على تميزها. وبعد مدة على تولي نساء لمهام سلطوية، كشفن أحقيتهن بالمنصب، ما يمكن أن يستشف بتقييم بسيط لبعض التجارب، إن في فاس أو غيرها، إذ لم يقتصر دورها على التسيير من داخل المكاتب الوثيرة، بل دب إلى الميدان وخارج أسوار البنايات. لا ينكر بعض الذين تعاملوا مع أول قائدة في مقاطعة بفاس، تخوفهم من فشل تجربتها أو أن يواجهوا بتصرفات غير معهودة، خاصة أن المتعامل معه هذه المرة، امرأة تخوض أول تجربة، لكنهم سرعان ما تأقلموا مع الجو الذي فرضته بفعل تواضعها وتفانيها في العمل وتعاملها المختلف تماما عن ما عهدوه في أوقات سابقة، من خشونة مفتولي العضلات من رجال السلطة.
مع مرور الأيام والأشهر، أحس المتعاملون مع مرافق مقاطعة حي طارق بفاس، بوجود فارق وتحسن، وهم يقارنون بين فترات سابقة، لم يقللوا من أهمية القائمين حينها على تسييرها وتدبير أمورها. وبعد سنتين على توليها المهمة، تعترف كما يعترف لها قاطنو الحي، بتعامل «إيجابي جدا، في تجربة موفقة بتعاون الموظفين والأعوان وحسن توجيه رؤسائها المباشرين».    
تخلصت سعيدة منصر، أول امرأة تتولى إدارة دواليب مقاطعة بمدينة فاس العالمة، تدريجيا، من التخوف الذي سكنها إبان تحملها المسؤولية في مراحلها الأولى. وهي اليوم تنتشي بالنجاحات التي حققتها طيلة سنتين بكدها في عملها وتظافر جهدها مع المبذول من جهود من قبل مرؤوسيها ورؤسائها، لتبرهن على أن المرفق العمومي يسير بغض النظر عن قائده، رجلا كان أو امرأة.
يبدو أن الرقم 2، فأل خير على سعيدة. فقد أنجبت قبل شهرين، «عمر الفاروق» باكورة زواجها الذي دشنته قبل عام، بعدما مرت سنتان على تعيينها، في مقاطعة حي طارق، بعد تخرجها ضمن أول فوج به نساء، يتخرج من المعهد الملكي للإدارة الترابية، ما بعد تخلص مدرسة استكمال تكوين أطر وزارة الداخلية، من ذكوريتها منذ ظهورها إلى حيز الوجود في 1964 وإلى 2006.
بحي بالدار البيضاء وفي 24 مارس 1979، خرجت سعيدة منصر التي دخلت تاريخ فاس بتحملها أول مسؤولية سلطوية نسوية، إلى الوجود، لتنمو وسط أسرة وفرت لها متطلباتها وحاجياتها في الصغر والكبر، إذ تلقت تعلميها الابتدائي والإعدادي والثانوي في مؤسسات تعليمية بتلك المدينة، إلى أن ولجت كلية العلوم القانونية والاجتماعية والاقتصادية بجامعة الحسن الثاني.
من تلك الكلية حازت على الإجازة في القانون العام (فرنسي)، دون أن ينحصر طموحها في ذلك وفي تلقي العلم الذي آمنت أنه الطريق الوحيد لتحقيق كل الأماني والطموحات. وسجلت في وحدة السلك الثالث الخاصة بالقانون الإداري والعلوم الإدارية، في طريق الجديدة بالبيضاء، وهي طالبة في السنة الخامسة من الدكتوراه بجامعة الحسن الثاني بالمدينة نفسها.
طموح هذه المرأة لا ينتهي على غرار ما يختلج زميلاتها ممن أعلن انتفاضتهن على ذكورية المجتمع وبعض مرافقه ومصالحه العامة والخاصة. وهي التي كانت ضمن النساء الأوائل اللواتي ولجن المعهد الملكي للإدارة الترابية قبل 4 سنوات خلت، وضمن أول الأسماء النسائية المتخرجة منه قبل عامين، قبل تعيينها بفاس.
بدت الأمور عادية في مقاطعة عين عمير المعروفة بمشاكل التعمير وما لم تعد سعيدة المرأة الوحيدة القائدة لدواليب السلطة بفاس، بعدما استقبلت مقاطعة عين عمير المعروفة بمشاكل تعميرها، سيدة أخرى يسكنها التخوف ذاته ويحدوها الطموح نفسه الذي كان خالج سابقتها قبل سنتين خلتا. هي تجربة نسوية في مدينة ليس غريبا عليها تحمل النساء لمسؤوليات جسيمة منذ أيام مقاومة المستعمر وإلى الآن حيث تجلس بعضهن في أرقى المسؤوليات.خلفته احتجاجات قاطني دور صفيحية، من ردود فعل. لكن سمة الذكورية، ما تزال موسومة على باب مسؤولة السلطة الجديدة. «مكتب السيد القائد».
إن أصداء ومعلومات وأخبارا تسربت عن شروع القائدة الجديدة، في عملها بجدية، بدليل شنها حملة على البناء العشوائي، كان من نتائجه، صدور قرارين بالهدم، وآخر بوقف الإصلاح بعد شروع مستفيد من رخصة بذلك، في البناء وإدخال تعديلات على محله. وهي معلومات بحاجة إلى تأكيد من قبل امرأة السلطة ابنة فاس، المعينة أخيرا على رأس هذه المقاطعة.     
«المرفق العمومي يسير برجاله ونسائه».. عبارة تنم عن إيمان متجذر بمساواة حقيقية وواقعية، بعيدا عن لغة الشعارات، لأن نجاح أو فشل أي إدارة كيفما كانت هويتها ومهامها، قائم مهما كان القائمون على تسيير وتدبير دواليبها. والتفاني والجدية في العمل والسعي إلى إرساء جودته، لا ينحصر على الذكر دون الأنثى.
وفي ظل وجود إرادة، يصبح كل شيء ممكنا تحقيقه مهما صعب، هذا ما آمنت به سعيدة رغم تخوفها وهي تتولى تلك المسؤولية في بادئ الأمر، لكنها مقتنعة بنجاح مهمتها.
«السربيس»، لا يختار بين الرجل والمرأة. والنجاح أو الفشل فيه، ممكن بالنسبة إلى الجنسين معا وأينما كان، إن في تاونات أو فاس أو في أي شبر من هذا الوطن. وسعيدة حين نجحت، فذلك بفضل تفهم زوجها الذي ساعدها ووالديها وأقاربها، كي تتخلص من التخوف الذي انتابها إبان دخولها غمار المغامرة، إن كانوا دوما الموافقين والناصحين والمساعدين والداعمين معنويا وماديا.        
والأجمل أن توفق المرأة المتحملة لمثل هذه المسؤوليات، بين متطلبات مهنتها ومسؤوليتها كربة أسرة داخل البيت. وما ذلك بصعب على نساء مغربيات يسكنهن الطموح والتحدي، ليس في إطار صراع خفي أو ظاهر مع زميلها الرجل، وإنما لإثبات ذاتها وكيانها كفكر وشخصية وليس كجسد تعلق عليه كل صور الفشل والدونية في مجتمع يحبو في طريق إرساء سبل المساواة.
حميد الأبيض (فاس)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق