fbpx
خاص

سياسة المدينة… الفرصة الضائعة

Bidonvilles Saleقطاع نشاز في حكومة لم تقدم فيه غير “الكلام” والحصيلة 128 مشروعا على الورق موقوفة التنفيذ

أهدرت حكومة عبد الإله بنكيران فرصة أخرى لدخول عصر الكيانات الحضرية المنسجمة والمتضامنة والمنتجة، وفق رؤية شمولية لسياسة المدينة، إذ اكتفى القطاع الوزاري المشرف برفعه “كليشيا”مرفقا بمجالات التعمير والسكنى،  دون إعطائه أي معنى في الواقع.

إنجاز : يوسف الساكت

5 سنوات من تفقير المدن

في حصيلة خمس سنوات، استطاعت وزارة التعمير والسكنى وسياسة المدينة (2013-2012) ووزارة السكنى وسياسة المدينة (2016-2013)، بالكاد أن تنتج تصورا صغيرا لما يمكن إنجازه في قطاع حيوي يعتبر، منذ بداية الثمانينات، رافعة لتنمية المدن بعدد من الدول الأوربية، وأداة لتقليص الإقصاء الاجتماعي في الأحياء المهمشة وتوفير خدمات القرب وتعزيز التماسك الحضري في أبعاده الاجتماعية والثقافية والاقتصادية في إطار تشاركي، ووفق رؤية للتنسيق والتعاون والتعاقد والالتقائية.

وعكس قطاعي التعمير والسكنى الذي حققت فيه الحكومة بعض “الإنجازات”، اكتفت بإعلان نوايا في مجال سياسة المدينة، عبر التأكيد على برمجة 128 مشروعا بكلفة إجمالية تصل إلى 55.5 مليار درهم، دون تحديد طبيعة هذه المشاريع وكيفية تمويلها وأثرها على البنيات العامة للمدن، مع أجندة زمنية دقيقة للإنجاز.

يصف محمد بهضوض، الباحث المتخصص في شؤون التعمير والمدينة “سياسة المدينة” بالمفهوم المركب الذي يحتمل عدة معان، مرجعا ذلك لسببين على الأقل: يتعلق الأول بالجمع بين مفهومين غاية في التعقيد هما “السياسة” و”المدينة”، أما الثاني فيتعلق بترابط، أو تداخل المفهوم مع عدد من المفاهيم المجاورة أو ذات الصلة مثل: “السياسة العامة” للدولة (ومنها البرامج الوطنية والأوراش الكبرى)، و”السياسة القطاعية” التي تباشرها وزارة الإسكان وسياسة المدينة (ويمكن أن نضيف إليها وزارة التعمير وإعداد التراب الوطني)، والسياسات القطاعية المحلية (التعليم، الصحة، التجهيز والنقل..)، وبرامج عمل الجماعات المحلية، وما إليه.

واستنتج الباحث، في حوار لـ”الصباح” أن هناك عدة سياسات تمس المدينة، تأخذ تسميات مختلفة، “لكن تجاوزا لذلك، يمكن القول إن سياسة المدينة هي السياسة التي تباشرها السلطات العمومية لأجل معالجة الاختلالات المجالية والاجتماعية للمدن، وتسهيل الإدماج الحضري لسكان الأحياء المهمشة عن طريق توفير الشغل وتسهيل الولوج إلى مصالح وتجهيزات القرب”، يقول بهضوض.

وأكد الباحث أن أفق “سياسة المدينة” خلق مدن مندمجة ومنتجة ومتضامنة تروم جعل المدن بمثابة رافعات للتنمية، وتقوية قدراتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ومساعدة القطاعات الحضرية على المنافسة، وتحسين إطار عيش المواطنين في بيئة مستدامة.

هذا التأطير النظري لم يكن غائبا بالتأكيد على أطر الوزارة ومختلف المتدخلين في المدن والجهات والمراكز الحضرية، دون أن يتمكنوا من إيجاد الوصفة السحرية للمرور إلى الإنجاز، رغم ملايين الدراهم التي صرفت على الدراسات والمقرات والموظفين والأطر خلال خمس سـنوات الماضية.

وحتى عندما قدم الوزير المعني حصيلة حكومته، نهاية السنة الماضية، وهو يستعد لمغادرة هذا المنصب، اكتفى بمرور الكرام على قطاع كامل، مكتفيا ببعض الجمل القصيرة، وهو يتحدث عن مشاريعه الـ128 التي لم تر النور.

والنتيجة المباشرة لـ”سياسة اللامدينة” أن المدن العتيقة وعددها 31 مدينة مازالت على حالها ولم يطرأ عليها أي تغيير منذ خمس سنوات، وأضيفت إليها عاهات المدن الجديدة التي نبتت مثل أعشاب طفيلية بضواحي التجمعات الحضرية الكبرى.

تهيئة عرجاء

افتقدت الحكومة البوصلة لتقويم عدد من الاعوجاجات التي أنتجتها سياسات التعمير والتهيئة الحضرية العرجاء بعدد من المدن، وبدأ الجميع (الحكومة، ومجالس المدن والأقاليم والجهات والسلطات الإدارية) يتهرب من مسؤوليته في حل معضلات السكن العشوائي وبؤر الإقصاء الاجتماعي والنقاط السوداء للباعة المتجولين، ثم الفشل، تقريبا، في جميع مشاريع إعادة توطين هؤلاء التجار في مراكز تجارية للقرب، أو أسواق نموذجية.

مفهوم فرنسي

ظهرت “سياسة المدينة” خلال الأربعين سنة الأخيرة، في عدد من الدول الغربية. وهذا كرد فعل سياسي على استفحال مشاكل المدن فيها (سيما مع بروز مشاكل “الضواحي”، كما وقع في فرنسا على سبيل المثال).

هذا الأمر يقول الباحث بهضوض، فرض عليها التفكير في وضع برامج خاصة لمواجهة هذه المشاكل، أخذت أسماء مختلفة مثل: “المدينة الاجتماعية”، و”عقد التنمية الاجتماعية للأحياء”، و”ميثاق جودة المدن”، و”التجديد الحضري”، و”أجندة 21 المحلية”، و”المخطط المحلي للسكن”، و”سياسة المدينة”، وما شابه.

وقال الباحث إن المسؤولين عن قطاع التعمير والسكن في المغرب، أخذوا هذه التسمية الأخيرة أساسا من فرنسا (التي عُرفت بوزارة تحت اسم “وزارة سياسة المدينة”)، وأرادوا الاستفادة من تجربة هذه الأخيرة في الموضوع، لأجل مواجهة عدد من المشاكل التي تعرفها مدننا المغربية. ولعل هذا ما عبرت عنه تسمية الوزارة المعنية (وزارة الإسكان وسياسة المدينة) وجاءت الوثيقة التأسيسية الصادرة عن الملتقى الوطني الأول لسياسة المدينة الذي نظم في يونيو 2012 لتؤكده وتوضح مبادئ هذه السياسة وغاياتها والمتدخلين فيها وإجراءات تنفيذها.

خطاطة حلول

في سياق التداول حول مفهوم “سياسية المدينة” يطرح سؤال “كيف يمكن لسياسة حضرية نشأت لحل إشكاليات محددة في بلدان غربية متقدمة، منها فرنسا، أن تكون ملائمة لحل إشكاليات، محددة هي الأخرى، تمس بلدانا نامية، مثل المغرب؟

 هذه مسألة كبرى، يقول الباحث بهضوض، “تتعلق بمسألة الحداثة والأصالة أو التبعية والإبداع، لا مجال للخوض فيها هنا. بيد أن الجواب النظري سهل، إذا ما اعتبرنا أن المشاكل الحضرية هي واحدة–نسبيا- في كل دول العالم (إشكاليات الشغل والتجهيز والصحة والنقل..) وحلولها المقترحة كذلك”

وما يؤكد ذلك، حسبه، أن هذه الحلول لا تخرج غالبا عن الخطاطة العامة التي تتجلى عموما،  على مستوى المدن، في السعي إلى تحسين إطار عيش السكان وبيئتهم، وتحقيق برامج ملائمة للتنمية، ودعم جاذبية المدينة وتنافسيتها، والحفاظ على تراثها وهويتها المحلية. أما على مستوى الأحياء فهي تتجلى في توفير المرافق الضرورية، وإيجاد الشغل للشباب، وتحسين العرض الثقافي والرياضي، وتنشيط الأحياء، وخلق مجالات للترفيه والتواصل الاجتماعي (ساحات عمومية، حدائق، ملاعب، ديكور حضري، مواقف السيارات…).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى