fbpx
الصباح السياسي

القاموس السياسي تصنعه النخب والعامة

Les Chefs de la majoritébziouat11قصوري: الإعلام ساهم بقوة في ترويج كلمات بدون معنى سياسي

شهد الحقل السياسي المغربي في السنوات الأخيرة نحت مجموعة من المفاهيم  والمصطلحات التي باتت تطغى على الخطاب السياسي، بعضها ينهل من مرجعيات ظلت بعيدة عن اللغة المعتادة في القاموس السياسي.
وإذا كانت اللغة السياسية في الفترة السابقة تقتصر في توصيف القوى المتصارعة بين الأحزاب الإدارية والقوى الوطنية والديمقراطية، فإن المحطات الانتخابية ظلت تشكل المناسبة القوية لنحت مفاهيم جديدة سرعان ما ترهن كل الفاعلين السياسيين، وتخيم على مختلف التحليلات.
ويرى ادريس قصوري الباحث والمحلل السياسي، أن التضخم في إنتاج واستهلاك مفردات وسرديات لغوية من قبل وسائل الإعلام والمتلقي عموما، سببه الطفرة الإعلامية واتساع مجال الحرية، حيث لم يعد هناك التحفظ في إطلاق المفاهيم والمصطلحات، كما كان عليه الأمر في مراحل سابقة، ظلت فيها دائرة إنتاج الخطاب والمفاهيم ضيقة.
والمثير في تناسل المصطلحات الأكثر شيوعا  واستعمالات من قبل وسائل الإعلام، أنها باتت أكثر تأثيرا وتعبئة لجمهور واسع من المتلقين، وأضحت قوة يلجأ إليها السياسي من أجل الدفاع عن تصوراته ومواقفه، غير عابئ بما يمكن أن تحمله من رجة أو رد فعل في الساحة السياسية، أو تبخيس لقاموس السياسة بما هو قاموس النخبة والفاعلين الحزبيين.
وكانت المرحلة الماضية تتسم بممارسة العمل السياسي من قبل نخب، وترويج الخطاب كان يتم عبر الصحف التي تصدرها الأحزاب، وهي نخب مسيسة وذات مستوى محدد من التكوين، ما يجعل الخطاب منحصرا بين الفاعلين الأساسيين في مواقع القرار.
كما أن إنتاج القاموس السياسي ظل لسنوات طويلة من اختصاص دائرة محصورة من السياسيين من ذوي الكفاءة والخبرة والتجربة النضالية والمسؤولية أيضا، وهو ما ساهم في تكوين أطر سياسية بصمت بخطابها القوي الحياة السياسية، وساهمت في التأثير على أصحاب مراكز القرار، ولو بشكل غير مباشر وبعد سنوات من إنتاج ذلك الخطاب.
إن القاموس السياسي المستعمل في الساحة الإعلامية وفي الأوساط السياسية، اليوم بات أكثر تضخما بسبب اتساع  دائرة منتجيه، إذ لم يعد مقتصرا فقط على النخب، بل أصبح مجالا مفتوحا أمام جميع الفاعلين من مستويات مختلفة، الذين باتوا أكثر اهتماما بالشأن السياسي، وهو أمر ساهمت في انتشاره  الطفرة التكنولوجية ووسائل التواصل الاجتماعي.
ويرى إدريس قصوري، الباحث بجامعة الحسن الثاني بالبيضاء، أن الإعلام  ساهم بقوة في ترويج مصلحات وكلمات قد لا تحمل المعنى السياسي المقصود به، لا لشيء إلا لأنه يحقق التواصل والانتشار الواسع، ولا يتطلب عناء من المتلقي، وهو بالمناسبة مما يمكن أن نسميه العامة، وهو الأمر الذي انتشر بشكل كبير في السنوات الأخيرة، أمام الانفجار المهول لعدد المواقع وشبكات التواصل الاجتماعي.
وأكد قصوري أن القاموس السياسي أضحى أكثر حضورا من المضامين السياسية التي يحملها إياه الفاعل الحزبي، حين نحت المفهوم في أول وهلة، وذلك بسبب الشحنة التي باتت تشكلها الكلمات والجمل، في الحياة السياسية، وهو الأمر الذي انتبه إليه مختلف الفاعلين الذين باتوا أكثر تركيزا على اختيار ونحت  عدد من المفاهيم التي أصبحت مرتبطة بأصحابها.
ويرى المحلل السياسي أن اللغة السياسية باتت أكثر  خضوعا لحقل لغوي بعيد عن السياسة، بل حتى عن اللغة العربية، من قبيل إقحام كلمات فرنسية من قبيل “البلوكاج”، و”الأزمة” و”الانقلاب”، ما ساهم في تمييع المصطلحات، وتضييع المفاهيم الأساسية وسط زخم من الكلمات العادية التي تتداول في الشارع، لا لشيء إلا من أجل دغدغة المشاعر وإثارة الحماسة لدى المتلقين، والترويج السياسي، ضدا على منطق التحليل أو الأخلاق أو المنطق السياسي السليم.
ويحمل الباحث قصوري المسؤولية في هذا التناسل المفرط لقاموس سياسي مثير، إلى النخب السياسية من جهة ووسائل الإعلام التي تروج لعدد من المصطلحات، دون تحفظ أو تمحيص، بل وفي غير محلها في الكثير من الأحيان.
وقد أثارت العديد من الكلمات مثل التحكم الكثير من الجدل والاختلاف في تحديد معناها ، كل حسب موقعه السياسي، فالعدالة والتنمية الذي أطلق المفهوم، انطلاقا من مرجعية الإخوان، كان يقصد بها خصومه السياسيين، الذين يعارضون سياسيته وخطابه الديني، والمعارضون في الجهة الأخرى يصفون بنكيران والعدالة والتنمية بالمتحكم الذي يسعى إلى بسط هيمنته على كل المؤسسات وإخضاعها إلى منطقه السياسي.
برحو بوزياني

خطاب للإقناع

يبدو أن اللحظة السياسية التي نعيشها بما تحمله من خطاب شعبوي، ساهم أيضا في انتشار مثل هذه المفردات التي تجد إقبالا كبيرا من قبل المواطنين المتابعين للشأن السياسي، حيث يسعى الرجل السياسي لمسايرة اللحظة السياسية من أجل تحقيق الانتشار والنصر، دون اعتبار للغة ولا إلى المفاهيم، لأن الأهم بالنسبة إليه هو تحقيق الفائدة السياسية والاستقطاب الأوسع، بكل الطرق وكل اللغات.
ويخلص قصوري إلى القول إن جميع المفردات السياسية التي لا تعبر عن حاجة اجتماعية حقيقية ولا عن واقع سياسي حقيقي، تولد مشوهة وتموت بسرعة، فيما الكلمات المؤصلة سياسي وثقافيا ولغويا هي التي تكون ذات مناعة ويكون تأثيرها قويا وساحرا وتظل حاضرة في القاموس السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى