الصباح السياسي

الحقل الديني… دبلوماسية ملك

بعد تجربة تكوين الأئمة الأفارقة جاء الدور على الزوايا لتحصين دول المنطقة ضد التطرف

طقوس إمارة المؤمنين تستبق الدبلوماسية الملكية إلى إفريقيا، في الشرق كما في الغرب. يتحرك الملك في الحقلين السياسي والديني بهذه البلدان الإفريقية، تارة بمبادرة منه عن طريق تدشين المساجد، وتوزيع المصاحف، وتارة أخرى، بتنسيق أكبر يروم الحد من مخاطر التطرف والإرهاب الذي يتهدد بعض البلدان التي بدأ تعايش الديانات فيها يخرج عن طبيعته.

تحريك آليات الزوايا

قبل أن يرحل إلى نيجيريا، في زيارة تاريخية، استبق وفد من الزاوية التيجانية، برئاسة شيخ الزاوية محمد الكبير بن سيدي أحمد التيجاني، الزيارة بلقاء مع الرئيس النيجيري، محمدو بخاري، الذي استقبل ضيوف الزاوية في قصر الرئاسة بالعاصمة أبوجا، وأثيرت قضايا محاربة الإرهاب والتطرف، ودعم الزاوية التيجانية لنيجيريا في حربها ضد جماعة “بوكو حرام” المرتبطة بتنظيم القاعدة، فنيجيريا التي تعاني هجمات الحركة المتطرفة تسعى إلى تجريب خيارات أخرى غير أمنية، تساهم في التقليل من تأثير الحركة عبر مرجعيات دينية لها نفوذ في منطقة نشاط الجماعة، وتفكيك بنيتها من الداخل عن طريق جماعة الدين نفسه (الزاوية التيجانية).

وبرز الأثر الديني للملك، بصفته أميرا للمؤمنين، أيضا في البلاغ المشترك الذي صدر عقب اختتام الزيارة الملكية إلى أبوجا، إذ أعلن المغرب ونيجيريا تعهد الملك “بأن يقدم المغرب الدعم الكلي والفعال لنيجيريا في جهودها للقضاء جذريا على الأنشطة الإرهابية لـ”بوكو حرام” بنيجيريا، والبلدان المجاورة لها في بحيرة تشاد”، وهو تعهد يختزل أدوارا أمنية ودينية مرتقبة يقودها المغرب في هذه المنطقة وسط إفريقيا، وقد يتجاوز الدعم المغربي الوظيفة الروحية لإمارة المؤمنين، إلى القيام بمهام أمنية أو عسكرية انخرطت فيها الرباط مسبقا حين واقف الملك، وفق ما تناقلته مصادر إعلامية فرنسية، على دعم دولة النيجر في مواجهة الجماعة المتشددة من خلال تقديم معدات عسكرية وأمنية، علما أن كلا من النيجر والكاميرون وتشاد تعاني امتداد العنف من معقل “بوكو حرام” في شمال نيجيريا، تسبب في تهجير آلاف السكان، منذ بايعت الحركة التي تأسست في يناير 2002 تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” السنة الماضية.

إمارة المؤمنين في إفريقيا

منذ تولي الملك محمد السادس العرش، توالت زياراته إلى العديد من الدول الإفريقية، همت في البداية بعض دول غرب إفريقيا، منها السنغال والغابون ومالي والنيجر، لتمتد في الآونة الأخيرة إلى بعض دول شرق إفريقيا الأنكلوفونية، مثل رواندا وتنزانيا ونيجيريا.

وفي كل البلدان، حضر الفعل الديني مؤثرا في العلاقات الثنائية، رغم أن الإسلام يشكل أقلية دينية في بعض دول شرق إفريقيا. ولأن الأمر يتعلق بمجال سيادي لهذه البلدان، فقد حصر المغرب خدماته الدينية في بناء مجال الأمن الروحي لمحاربة التطرف الديني، وتكوين أئمة ومرشدين دينيين مهمتهم تصحيح صورة الإسلام، ومحاربة التأويلات المتطرفة التي تغذي العنف.

وبناء عليه، ربح الملك مساحات جديدة داخل إفريقيا بورقة حقل إمارة المؤمنين، التي حققت اختراقا جديدا داخل النفوذ الديني لدول تونس وليبيا وغينيا كوناكري والسنغال، بعد أن طلبت هذه البلدان التعاون في مجال تدبير الشأن الديني، من خلال تكوين وتأطير أئمة المساجد، وتبني نهج يحارب التطرف والغلو الديني.

وبذلك، قدم المغرب بديلا عن التيارات الدينية المتطرفة التي تتغلغل في بعض الأجزاء من تراب دول إفريقيا، ونجح في سحب البساط من تحتها من خلال محاصرة التطرف بتكوين الأئمة والمرشدين الدينيين لتصحيح مفاهيم الإسلام، ونشر قيم الوسطية داخل المجتمعات الإفريقية المسلمة.

وضمن هذا السياق، لعبت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، دورا كبيرا في تنسيق طلبات تكوين الأئمة الأفارقة، من شمال وغرب إفريقيا، لتؤكد امتداد حقل إمارة المؤمنين نحو تصدير النموذج المغربي في مجال التأطير الديني، بعد تجربة أولى في مالي. وقد تمكن المغرب من ربح مواقع داخل بلدان إفريقية، بفضل الخدمات التي يقدمها هذا الحقل الديني، في سياق محاربة الإرهاب والتطرف بالمنطقة، إذ أبانت الإستراتيجية الدينية لإمارة المؤمنين قدرة كبيرة في تحقيق الاستقرار ببلدان إفريقية.

إحسان الحافظي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق