وطنية

مسطرة إعادة النظر في القرارات الجنائية أمام المجلس الأعلى

طيب محمد عمر
أجل التصريح بإعادة النظر يستمر الى أن تضع محكمة الإحالة يدها على القضية

يعتبر التماس إعادة النظر في القرارات التي يصدرها المجلس الأعلى في المادة الجنائية من مستجدات قانون المسطرة الصادر بتاريخ 3/10/2002 إذ لم تكن نصوص هذا القانون منذ صدوره بتاريخ 10/02/1959 والتعديلات التي أدخلت عليه بصفة خاصة سنتي 1962 و 1974 تسمح بسلوكه ، وكان القضاء الزجري يتأرجح بين قبوله بذريعة الرجوع الى قانون المسطرة المدنية عند سكوت قانون المسطرة الجنائية ، وبين عدم قبوله بعلة عدم إمكانية إعمال القانون الأول أمام المحاكم التي تطبق القانون الثاني. وقد كان لتلك المرجعية القضائية، في شقها المرتبط بقانون المسطرة المدنية، أثرها على ما جرى به العمل بعد ان أصبحت المواد 563 وما يليها من القانون الحالي تسمح بإمكانية إعادة النظر في القرارات التي يصدرها المجلس الأعلى في المادة الجنائية، وهو الأثر الناتج عن الاعتقاد بأنه لما كان طلب إعادة النظر يقدم، في المادة المدنية، بواسطة مقال أو مذكرة كتابية، فبالإمكان تقديم طلبات إعادة النظر في قرارات جنائية بواسطة عرائض كتابية.
بعبارة أكثر وضوحا، فإن طلبات إعادة النظر التي رفعت والتي ما زالت ترفع إلى المجلس الأعلى في المادة المذكورة تقدم بواسطة عريضة أو مذكرة كتابية، رغم أن القانون لا يقول بذلك، والملاحظ أن المجلس الأعلى نفسه دأب على قبولها شكلا، وقد يردها أو يعتبرها موضوعا، رغم أن المشرع لم يخرج، في إطار الطلبات المذكورة عن القاعدة العامة في المسطرة الجنائية التي هي ضرورة تقديم الطعن، أساسا، بواسطة تصريح شفهي، ثم إردافه بمذكرة كتابية، عند الاقتضاء، مع أداء الصائر أو بدونه، حسب تنصيصات القانون.
توضيحا لما ذكر يمكن قراءة الفقرة الثامنة من المادة 563 الناصة على أن «طلب إعادة النظر يقدم من قبل الطرف المعني طبقا للفقرات 2، 3، 4 من المادة 528 ، أو من قبل النيابة العامة بواسطة مذكرة توضع بكتابة ضبط المجلس الأعلى «، فالذي يقدم الطلب بواسطة مذكرة كتابية هو النيابة العامة وحدها، أما الطرف المعني، متهما كان أو مطالبا بالحق المدني، فإنه يقدم طلبه طبقا للفقرة الثانية من المادة 528 الناصة على أن «طالب النقض (والمقصود في هذا المقام، إعمالا لقاعدة الإحالة،  هو طالب إعادة النظر) يضع بواسطة محام مقبول لدى المجلس الأعلى مذكرة بوسائل الطعن لدى كتابة الضبط بالمحكمة التي أصدرت المقرر المطعون فيه خلال الستين يوما الموالية لتاريخ تلقي التصريح».
لذلك فإن التصريح هو الإجراء الأول الذي يجب تقديمه أمام المجلس الأعلى،  بكتابة ضبط الغرفة التي أصدرت القرار المطلوب إعادة النظر فيه، بواسطة محام مقبول للترافع أمام المجلس الأعلى، ثم تقديم مذكرة ببيان وسائل إعادة النظر، داخل أجل 60 يوما الموالية لتاريخ التصريح، من طرف محام مقبول أيضا، إلا أن هذا الشرط ليس ضروريا متى كان المحامي الذي وضع، من قبل، المذكرة ببيان أوجه الطعن بالنقض هو الذي سبق له أن آزر فعلا طالب النقض، وفي هذه الحالة يمكنه تقديم التصريح بإعادة النظر وكذا المذكرة الموالية له، حتى لو لم يكن مقبولا أمام المجلس الأعلى، وتبقى المذكرة اختيارية في قضايا الجنايات، ما دامت الفقرة الثامنة من المادة 563 قد أحالت على الفقرات 2، 3، 4 من المادة 528 .
لكن، يلاحظ أن الفقرة الخامسة من المادة 563 تنص على ضرورة تقديم مذكرة عندما يتعلق الأمر بتصحيح القرارات التي لحقها خطأ مادي، إذ يكون لزاما في هذه الحالة تقديم مذكرة كتابية ولو في المادة الجنائية.
واعتبارا لكون المادة 563 لم تتضمن إحالة على مقتضيات المادة 527 المتعلقة بأجل تقديم الطعن، فيبدو أن أجل التصريح بإعادة النظر، يبقى مفتوحا إلى أن تضع محكمة الإحالة يدها على القضية إن كان المجلس الأعلى صرح بالنقض والإحالة.
وبخصوص الكفالة المنصوص عليها في الفقرة الثالثة من المادة 528 فإنها لا تتعلق إلا بحالة الطعن بإعادة النظر ضد القرارات الصادرة استنادا إلى وثائق صرح أو اعترف بزوريتها، إذ الواضح من  مطلع الفقرة الثالثة أنه «في هذه الحالة» فقط يجب إيداع تلك الكفالة.
أما بخصوص الصائر القضائي فالملاحظ أن كتابة الضبط تستخلص مبلغ 1000 درهم، رغم أن هناك فراغا قانونيا ناتجا عن سكوت قانون المسطرة الذي صدر بتاريخ 03/10/2002 عن موضوع الصائر القضائي المتعلق بطلب إعادة النظر، كما سكتت قوانين المالية التي تعاقبت بعد صدوره عن الموضوع ذاته، ولا يمكن في هذا الإطار القول بأن الفقرة ما قبل الأخيرة من المادة 563 بنصها على أن المجلس الأعلى يبت في الطلب وفقا لمقتضيات المواد 539 وما بعدها إلى 577 ، فتكون بذلك أحالت على المادة 549 الناصة على أن المصاريف يتحملها الطرف الذي خسر الدعوى، لأن هذه المصاريف يجب أن تكون محددة قانونا، تحت طائلة الوقوع في خطأ ارتكاب جناية الغدر المنصوص عليها وعلى عقوبتها في الفصل 243 من القانون الجنائي.
بقيت إشكالية تتعلق بما دأب عليه المجلس الأعلى من قبول الطلبات رغم عدم تقديم التصريح، وهو ما اطمأن إليه المتقاضون، فاستمروا في تقديمها على هذه الشاكلة، الأمر الذي رغم عدم إمكانية توصيفه بالحق المكتسب، وإن كان في الظاهر شبيها به، فإنه قد يقتضي، بعد التفضل بتبادل الرأي حول هذه المسألة بين كل من يعنيهم الأمر، بدءا بسيادة الرئيس الأول للمجلس الأعلى والسادة رؤساء الغرف والمستشارين، والسيد الوكيل العام للملك لدى المجلس والسادة المحامين العامين، واستقرارهم على التأويل المشار إليه أعلاه، أن يتم الاستمرار في قبول الطلبات المعروضة على أنظار المجلس الموقر، على أن يحدد ميقات معلوم يتم بعده إعمال القانون كما هو صريح وواضح بضرورة تقديم الطلبات بواسطة تصريح قبل المذكرة الكتابية.
ختاما يلاحظ ان المادة 528 استعملت مرّة واحدة عبارة الطعن بإعادة النظر، ومرّة عبارة دعوى إعادة النظر، وثلاث مرّات عبارة «طلب إعادة النظر» وهذا هو الصحيح، لأن إعادة النظر في تأصيلها المسطري ليست طعنا بل هي مجرد ملتمس أو طلب يرجع بمقتضاه المعني بالأمر إلى المحكمة ذاتها التي أصدرت الحكم أو القرار لكي تعيد النظر فيه أو تتراجع عنه لسبب من الأسباب المحددة حصرا في القانون.
الأستاذ طيب محمد عمر
(محام بهيأة الدار البيضاء)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق