fbpx
ملف الصباح

البصري يطلق على ضحايا 1981 لقب “شهداء كوميرا”

السلطة استفزت المواطنين وكانت مهيـأة لتحويل الإضراب العام إلى مجزرة

شكلت انتفاضة 20 يونيو 1981 بالبيضاء قمة مظاهر الاحتجاج الشعبي بالمغرب بعد أحداث مارس 1965، وهي الأحداث التي راح ضحيتها عشرات المواطنين في ظروف غامضة، إضافة إلى إعتقال المئات منهم ومتابعتهم بتهم خطيرة أدت إلى إصدار أحكام وصفت آنذاك ب”الموجهة”.
سيناريو الأحداث كما يرويه بيضاويون عاشوا تلك الفترة، كان دراميا بكل المقاييس، خاصة استعمال القوات العمومية والجيش للرصاص الحي في تفريق المتظاهرين يوم الإضراب العام الذي دعت إليه الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، وهو الإضراب الذي واجهته السلطة آنذاك بنوع من الاستفزاز من خلال إرغام التجار على فتح محلاتهم وعمال النقل على العمل يوم الإضراب. وهو ما أدى إلى دخول الأطراف المحتجة على خط التصعيد من خلال اعتراض سبيل الحافلات، الشيء الذي انتهى إلى اعتقالات ومواجهات خطيرة بين الأمن والمتظاهرين، انتهى إلى  سقوط عشرات الضحايا في السجون أو دفن عدد منهم في مقبرة جماعية . ما أدى إلى تراجع الحكومة عن الزيادات الصاروخية في أسعار المواد الأساسية الذي كان سببا مباشرا في الدعوة إلى الإضراب العام، فضلا عن الأجواء السياسية المشحونة والتي كان سببها موقف حزب الاتحاد الاشتراكي من قرار الاستفتاء في الصحراء الذي قبل به الملك الراحل الحسن الثاني في قمة نيروبي، ووجود الملك في القمة المذكورة أثناء اندلاع الأحداث، فضلا عن موقف الاتحاد من تمديد ولاية مجلس النواب إلى ست سنوات بدلا من خمسة، وانسحاب النواب الاتحاديين من جلسة افتتاح البرلمان والتي أدت إلى إخراجهم من قبل الملك الراحل بموجب خطاب ملكي شهير، من « جماعة المؤمنين» .
سيناريو الأحداث كما يرويه من عاشوها، بدأ عندما استيقظ سكان مدينة الدارالبيضاء صباح يوم 28 ماي 1981 على وقع زيادات صاروخية شملت كل المواد الأساسية ، كالدقيق ب 40 في المائة، والسكر ب 50 في المائة، والزيت ب 28 في المائة ، والحليب ب 14 في المائة، والزبدة ب 76 في المائة. أتت هذه الزيادات بعد زيادات أخرى في أسعار المواد الأساسية في سنتي 1979 و 1980
في وقت شهد فيه المغرب أزمة اقتصادية خانقة بسبب تراجع أسعار الفوسفاط على الصعيد العالمي، مقابل ارتفاع أثمان البترول، كما استنزفت حرب الصحراء موارد الخزينة العامة.
وجاء رد الحكومة على شبح الإفلاس الاقتصادي الذي أدى إلى اختلالات في الميزانية العامة،  من خلال إعلان وزير المالية آنذاك أمام البرلمان في يونيو 1981 ، على أن قرار الزيادة في الأسعار كان ضروريا تحت إكراه تراجع موارد الخزينة العامة،  هو الذي دشن دخول المغرب مرحلة التقويم الهيلكي والانصياع لتوصيات صندوق النقد الدولي.
رد النقابات جاء من خلال الإعلان عن قرارالإضراب العام في 18 يونيو، في كل من الدارالبيضاء والمحمدية، والذي  دعا إليه الاتحاد المغربي للشغل وساندته الكونفدرالية الديمقراطية للشغل. وأمام تعنت الحكومة دعت ك.د.ش وحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إلى إضراب عام على الصعيد الوطني يوم 20 يونيو 1981 .
استيقظ سكان الدارالبيضاء صباح يوم 20 يونيو على ايقاع شلل الحركة العامة.  دكاكين مغلقة.  لم يذهب المواطنون إلى عملهم وظلوا مجتمعين في الشوارع والمقاهي، وظهر أن رهان السلطة آنذاك هو إفشال الإضراب العام بأي ثمن، لذا بادرت عن طريق أعوانها إلى إرغام التجار على فتح محلاتهم ، وعمال الحافلات على استئناف عملهم . وفي ظل إصرار أغلب هذه الفئة على الالتزام بقرار الاضراب العام، تم تمكين أناس آخرين لا علاقة لهم بالقطاع من حافلات النقل العمومي، وهو الخطأ الذي ارتكبته السلطة في شخص وزير الداخلية الأسبق ادريس البصري، والذي أدى إلى تدخل الأمن  لاعتقال عدد من النقابيين وأعضاء من المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي ليلة قبل يوم الإضراب العام.
بالمقابل ، شرعت القوات العمومية منذ صبيحة اليوم الأول من الإضراب في تشتيت الجموع التي لم يكن من الممكن التمييز فيها بين من يكسر ويحرق ويتظاهر ومن كان يتتبع ما يجري فطاله عنف السلطة كذلك، وانضم إليهم أفراد من الدرك الملكي والقوات المساعدة على متن شاحنات عسكرية فضلا عن الاستعانة بالمروحيات وسيارت الشرطة التي كانت تجوب مختلف الأحياء الشعبية دون توقف، ما ساهم في تأجيج الأجواء العامة للاضراب العام وبداية المناوشات بين الأمن والمواطنين، ليتحول الإضراب إلى تظاهرات شعبية عارمة اختلط فيها الحابل بالنابل، ثم أعطيت التعليمات لأفراد القوات العمومية من أجل  استعمال العنف الذي واكبته عمليات الإعتقال وانتهاك حرمات البيوت، ثم في النهاية إطلاق الرصاص الحي على المتظاهرين،  بعدما فقدت السلطة سيطرتها على الأوضاع.
المظاهرات العارمة ضد قرار الزيادة في أسعار المواد الأساسية التي قررتها حكومة المعطي بوعبيد، سرعان ما تحولت إلى انتفاضة شعبية شملت كل الأحياء الشعبية في كل من درب غلف، درب السلطان ، درب الكبير ، شارع الفداء ، حي الفرح، درب ميلا، درب السادني ، القريعة ، مودي بوكيتا، بنمسيك ، اسباتة، حي للامريم، حي السلامة، مبروكة، البلدية، الحي المحمدي، درب مولاي الشريف ،البرنوصي، عين السبع إلى غير ذلك من أحياء مدينة الدارالبيضاء … وكانت نقاط تفتيش يشرف عليها رجال أمن ودرك وأفراد من الجيش في مداخل المدينة ومخارجها، سببا في جعل المدينة تعيش الحصار، وهو ما أدى إلى تعرض المواطنين لمضايقات واستفزازات أشعلت نيران الاحتجاجات طيلة ثلاثة أيام .
استمر استعمال العنف إلى حدود يوم 21 يونيو. أسفرت تلك الأحداث عن سقوط ، عشرات القتلى ومئات من الجرحى  نقلوا إلى المستشفيات التي تلقت في وقت سابق خبر الاستعداد لاستقبال جرحى في الاحتجاجات، وكأن السلطة، حسب من عاشوا الحدث، كانت على علم مسبق بسيناريو استعمال العنف، بل وهيأت شروطه باتقان.
امتلأت مخافر الشرطة عن آخرها بالمعتقلين. اندلعت الحرائق في عدد من المنشآت العمومية، وتحولت أحياء من قبيل درب السلطان إلى متاريس لعرقلة مرور شاحنات العسكر وسيارات الأمن التي كانت تجوب بسرعة فائقة كل الأحياء ويطلق أفرادها الرصاص بشكل  عشوائي على المواطنين، كما تم تطويق كل الأحياء  بالدبابات والسيارات العسكرية.
سقطت أول ضحية لإطلاق الرصاص الحي بدرب غلف وكان عمرها 12 سنة،  لتتوالى عمليات إطلاق الرصاص في كل مكان، وكانت إصابات القتلى في الرأس والصدر والقلب، عنوانا بارزا للدقة المتناهية لعمليات إطلاق الرصاص التي كان «قناصة» متخصصون ينفذونها بتعليمات، كما أن منع العائلات من تسلم جثث ذويهم الذين سقطوا في المظاهرات، جعل عددا منهم يظلون أحياء لدى الدولة وفي الوثائق الرسمية إلى عهد قريب، ليتم دفنهم في مقابر جماعية بإشهاد X.  
كان من نتائج ذلك القمع سقوط شهداء أبرياء في المقاطعة 46  بالبرنوصي جراء الاكتظاظ وغياب شروط التهوية. وفاق عدد القتلى 637 قتيلا حسب حقوقيين، أما وزير الداخلية الراحل إدريس البصري فحدد الرقم في 66 قتيلا فقط، نافيا أن تكون هناك وفاة بالرصاص الحي، كما وصف في تصريحه، الضحايا الذين سقطوا ب» شهداء كوميرا».
مازالت ذاكرة الضحايا الذين نجوا من الموت في تلك الأحداث المؤلمة، تحتفظ بتفاصيل مشاهدها المؤلمة، و تم تأسيس جمعية  « 20 يونيو 1981» من طرف عائلات الضحايا ومعتقلين في الأحداث.
يعتبر ملف «ضحايا 20 يونيو 1981» من الملفات الأكثر حساسية الموروثة عن سنوات الرصاص، خاصة أن ضحايا كثر دفنوا في سرية تامة داخل ثكنة عسكرية تابعة لرجال المطافئ بالقرب من الحي المحمدي ، وهي المقبرة الجماعية التي كشفت عنها التحريات التي أشرفت عليها هيأة الإنصاف والمصالحة بالإعتماد على محاضر الشرطة وتقارير المنظمات الحقوقية وسجلات وزارة الصحة، و مايزال المدفونون بها غير محددي الهوية إلى الآن، بعد أن أعيد دفنهم في مقابرفردية، في انتظار ظهور نتائج التحليل الجيني لرفات الضحايا.

رشيد باحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق