منبر

هل هي بداية موت الأحزاب والنخب السياسية؟

الأحزاب تنشط خلال الانتخابات لتأطير المواطنين
الأحزاب فضاء عمومي مؤطر لمنظومة سياسية وثقافية وأخلاقية لتسييس عامة الناس

سبق للأستاذ كلود بلازولي أن كتب سنة 1972 مقالا حول الموت البطيء للحركة الوطنية تحدث من خلاله عن هيمنة المؤسسة الملكية على النخبة الوطنية.  ورغم أن هذا البلد كان يحلم بالشيء الكثير، لأن رجالاته من طينة علال الفاسي وعبدالله إبراهيم ومحمد بن الحسن الوزاني والمهدي بن بركة، رغم محدودية العمل
السياسي آنذاك، فقد كانوا يمتلكون تصورا ومشروعا مجتمعيا فضلا عن دفاعهم القوي عن الديمقراطية.شكلت الأحزاب فضاء عموميا مؤطرا لمنظومة سياسية وثقافية وأخلاقية من شأنها تسييس عامة الناس. وفي تلك الفترة، نجد شغفا بالسياسة تغذيه مختلف الأحزاب. وبرزت في ظل الصراع حول السلطة ممارسات ثقافية وإيديولوجية متأثرة كل التأثر بالشرق أو بالغرب، أدى إلى تنوع سياسي انطلق من خلاله مسلسل الديمقراطية.

وكانت الحكومات المتتالية تعمل بإضفاء الطابع الحزبي على المعايير الاجتماعية في مجالي الأخلاق والسلوكات، وتعمل على تعزيز التحالفات العمودية مع الشرائح الاجتماعية خاصة الشباب.
وللتخفيف من ضغوطات القوى السياسية، لجأت الدولة إلى خلق توافقات مع مختلف التشكيلات على أساس المصلحة العامة.
وبالموازاة مع ذلك، يلعب المثقفون الذين ينتمون إلى مختلف الفضاءات دورا أساسيا في المطالبة بالديمقراطية والتنمية ، فلم يديروا ظهورهم للصراعات الاجتماعية.. كما استطاع العلماء أمثال عبدالله كنون، والمكي الناصري التكيف تماما مع الأدوات الديمقراطية. أما النقابيون، فقد شكلوا قطب الرحى للحركة الاجتماعية، فلم يتخلوا عن الدور الذي كان يضطلعون به مطلع الستينيات والسبعينيات. ورغم ذلك، لم يكن من الممكن تدشين زمن السياسة بعد أن سيطرت على المشهد السياسي شخصيات مقربة من الحكم أمثال أحمد رضا كديرة، أحمد العلوي، عبد الكريم الخطيب، المحجوبي أحرضان وغيرهم، ومن تم، انطلقت حالة ضمور الفعل الحزبي… وبدأت هذه الأحزاب تتآكل بفعل الطموحات الفردية، ولم تبق للحزب تلك الروح المستيقظة التي تدفعنا إلى العمل ولم يبق الحزب رمزا للصمود والإتحاد.
لقد كانت إيديولوجية الأحزاب تقوم على جملة من الأسس منها رفع مستوى المعيشة للمواطنين والتوزيع العادل للدخل الوطني، والدفاع عن مبدأ الفرص المتكافئة لكل مواطن وتحرير الفرد من الاستغلال وبالأخص من سيطرة الرأسمالية… وفي مجمل القول كانت الأحزاب الوطنية عبارة عن حركة للإصلاح اعتمادا على الشعب بعد الاعتماد على الله.
فأين نحن اليوم من هذا؟
بعد أن تعذر الحصول على حزب قوي يمثل الشارع المغربي، أي حزب أغلبية حقيقية نابع من إرادة الشرائح الاجتماعية أصبح “جوكرا” يوظف كأداة لتنفيذ خيارات بعيدة عن المصلحة العامة، لأن النخب الحزبية أصبح يتملكها التمركز حول الذات والانشغال بها دون إعارة الاهتمام إلى القاعدة الشعبية، ويطغى عليها نوع من الفردانية والنفعية في خدمة المصلحة الشخصية دون الاهتمام بالآخر.
ولاشك أن انتخابات 07 شتمبر 2007  أدت ليس فحسب إلى مأزقة خطاب الانتقال الديمقراطي، بل إلى موت رجل السياسة.
ويبدو أن ظاهرة اللاتسييس كانت واضحة من خلال التعامل بمنظور تقني مع القضايا السياسية الكبرى ونزع الطابع السياسي عن مجال السياسات العامة والميل إلى تقنقرطتها (حسن طارق، المجلة العمومية للسياسات العمومية العدد 1 2008).
لقد أصبحت الهيآت السياسية بعيدة عن هموم البلد، لأنها تفتقر إلى مشروع مجتمعي وآلية تنفيذ تخرج بهذا البرنامج من الخطاب الصرف إلى تفعيل المخططات والرؤى. ولذا فالأحزاب تحولت بقدرة قادر إلى مجرد موزع للمنافع جعلت أشباه النخب تأخذ مواقعها داخل مراكز النفوذ وتوزيع القيم. فهذه النخب تعاني أصلا من تكلس فكري وسياسي ومن عجز فادح في التكيف مع متغيرات العالم، فليس في وسعها إنتاج أفكار خلاقة ومنتجة، فأحزابنا عبارة عن شبكة عائلية تتحكم فيها المصاهرة أكثر من الأفكار ولذا فهي تتهافت على السلطة ولا تستطيع أن تتمالك نفسها أمام إغراء الحقائب الوزارية.
ماذا ستنتظر من هذه الأحزاب التي تستعد لاستحقاقات 2012 وهي لم تنجح إلا في غرس بذور اللاحزبية في الوعي السياسي المجتمعي، إلى درجة اتساع مجال اللاسياسة واستفحال ظاهرة العزوف عن السياسة خاصة في فئة الشباب إلى حد التنافر .
ولقد شكل السلوك الانشقاقي نزيفا آخر زاد من الموت السريع للأحزاب. فظاهرة الإنشقاق تؤكد عدم وجود آلية ديمقراطية لتصريف الخلافة حيث يدور الجميع حول الزعيم، وهذه هي الحلقة الهشة والضعيفة في وجود الأحزاب، لأن غياب الديمقراطية التنظيمية والمؤسساتية ألحق ضررا كبيرا بالديمقراطية، مما أدى إلى انحصار دوران النخبة وجريان الأفكار، فلنصفق للزعيم وإلا، فإن أرض الله واسعة، وهو الرد المنتظر على كل “مناضل” طموح تسول له نفسه مساءلة الزعيم، علاوة على انتشار ظاهرة الإنزال كأسلوب قديم/جديد لتولي المسؤولية باسم الحزب سواء تعلق الأمر بالترشيح للانتخابات أو تولي الحقائب الوزارية، وهو ما زاد في تعميق أزمة الثقة بين القيادات المركزية والقواعد الجماهيرية، حيث دخل على الخط أناس لا علاقة لهم بالسياسة يتبنون خطابا فوقيا ديماغوجيا يتخذ فيه البرنامج الحزبي شكل شعارات تعبر عن عموميات، وغالبا ما يكون هؤلاء بدون قاعدة ولا تجربة، زيادة على بعدهم من مستويات اتخاذ القرار الذي يحدد الإختيارات الكبرى للدولة.        
فالنضال الحزبي انتقل من الدفاع عن قضية إلى الدفاع عن مكاسب مادية، ولاشك أن ظاهرة التزاوج بين المال والسياسة أفرزت شبكة من العلائق والمصالح المتبادلة أدت بالحط من السياسة وقيمتها عند الجمهور.
إن المناضل الحزبي أصبح على استعداد لبيع شرفه، لقاء أن يصبح من أهل الثروة. ولا غرابة أن نجد في البرلمان والحكومة رجال أعمال وتجار كبارا تحولوا إلى مناضلين من دون سوابق سياسية وتم استوزارهم باقتراح من الأحزاب، وبلغت قيمة العبثية حينما زكت هذه الأحزاب بعض ة المخدرات وتوفر لهم الغطاء السياسي لتعزيز موقعهم وحماية مصالحهم.
فهدف الأحزاب هو البحث على الأغلبية لتأثيث  المؤسسة البرلمانية والحكومية، ولذا فالأغلبية الممنوحة تتشكل من الأحزاب، ويقتصر دورها على شرعنة الممارسة الديمقراطية، لتبقى هذه القوى مجرد أغلبية عددية رقمية ليس إلا.
ولا شك أن الأحزاب الجديدة، ونخص بالذكر حزب الأصالة والمعاصرة الذي ينهج النهج نفسه، ويتطبع بسلوكيات الممارسة السياسية السائدة لتبقى هي كذلك مجرد إضافات عددية لا تزيد الجسم الحزبي إلا شرخا، فتكريس الكاريزما في شخص علي الهمة وشخصنة الحزب لا يمكنه أن يكون بديلا لموت الأحزاب التقليدية يمينها ويسارها، ولن يكون بإمكانه إيقاف الموت السريع للأحزاب، فالأصالة والمعاصرة تريد أن تكون قوة منظمة للتوازنات الضرورية للديمقراطية المغربية سواء في علاقتها مع المؤسسات أو مع النخب.
ولعل منطق اشتغال الوافد الجديد لا يتعدى هيكلة الأزمة، وذلك بالرهان على التقنقراط. وبهذا يكون الحزب الحداثي في زمن شيوع الاغتراب السياسي نافيا للمجتمع، لأنه يعتمد بشكل كبير على المعرفة التقنوية للمشاكل المجتمعية، لأن الفرد أصبح تحت رحمة الدولة المحاسباتية، ولذا فإن التقنقراطية استغنت عن السياسة، فالحزب يحاول أن ينزع صفة السياسة عن التدبير تحت تأثير حكم الاقتصاد والحكامة الجيدة… وهذا التموقع الجديد للأحزاب يسير مع منطق إستراتيجية الدولة ، وهو التخفيف من عبء التكلفة الاجتماعية للسلطة على عكس حسابات الأبعاد الإنسانية،
وهذا هو النهج الذي سارت عليه الأحزاب، مما أدى إلى توسيع مساحات اللاتسييس، وبالتالي إلى الموت السريع للحياة السياسية انطلاقا من الشلل والإحساس بفقدان الرغبة والمصداقية المجتمعية والتفاعل الإيجابي معها.

 بقلم: الدكتور عبد المالك إحزرير: أستاذ العلوم السياسية بجامعة المولى إسماعيل- مكناس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق