fbpx
ملف الصباح

سيكولوجيا المغربي “المحكور”

كثيرة النظريات التي فسرت سلوك الأفراد في مواجهة “الحكرة”، وقد أبانت بعض الأحداث التي عرفها المغرب صحة تطبيق هذه النظريات (سيكولوجيا الإنسان المقهور) على الإنسان المغربي. فالعنف الذي تمارسه السلطة ضد أفراد المجتمع، ينتج عنفا مضادا له من قبل هذه الجماعات، يتخذ شكل احتجاجات أو مواجهات أو اعتصامات مفتوحة، قد تتحول إلى مطالب ذات طبيعة سياسية تغذيها الشعارات.

رفض القانون

تكشف ردود الأفعال حيال بعض مواقف السلطة وتولد احتجاجات رافضة لها، عن حالة اجتماعية مقهورة تعكس “سوسيولوجيا الإنسان المقهور”، ورغم أن بعض الانفعالات المجتمعية تختزل الخوف والقهر وحالات نفسية ناتجة عن علاقة المواطن بالسلطة، فإن الكثير من هذه الممارسات تأتي رد فعل على أفعال سلطوية مندفعة تحاول من خلالها السلطة أن تستعرض عضلاتها على فئات اجتماعية مقهورة وتعيش في هشاشة لا حاجة لها في المزيد من التعنيف باسم السلطة. بالمقابل، أبانت الكثير من الوقائع التي كانت مثار احتجاج اجتماعي، في المغرب خلال السنوات الأخيرة خاصة في حالات حرق الذات، عن أن بعض المطالب التي احتج من أجلها المواطنون مخالفة للقانون.

إن توالي الاحتجاجات ضد تطبيق القانون يعكس حالة انفعال تغذيه أسباب نفسية وإحساس بالقهر، لا علاقة بالمطلب نفسه، لأن الإنسان المغربي الذي يحس بـ”الحكرة” سرعان ما يستعيد هذا الإحساس ولو تعلق الأمر بدوافع ليست بالضرورة منطقية، فما يجعل مطالب قانونية هو هذا الإحساس وليس طبيعة المطالب التي يرفعها. ولأن الأمر يتعلق بحالة نفسية جماعية، في الغالب، تهم قطاعا مهنية محددا، قطاع الصيد في نموذج الحسيمة أو الباعة المتجولين في مدن أخرى، فإن ردة فعل سرعان ما تتسع لتشمل هذه الفئات السوسيومهنية التي تجد نفسها معنية برد فعل فرد بصيغة الجماعة، وهذا ما حدث في كثير من المدن التي عرفت احتجاجات فئات مهنية، غالبا ما تدور في فلك الاقتصاد غير المهيكل.

خصائص “الحكرة”

في كتابه “التخلف الاجتماعي، سيكولوجيا الإنسان المقهور”، يرصد الكاتب (مصطفى حجازي) ثلاث خصائص نفسية لكل إنسان يعيش في ظل قهر السلطة وقمعها، وهي حالات تنطبق تماما على وضعية الكثير من الأسباب التي تحرك الاحتجاج الاجتماعي، أي في مرحلة ما قبل الركوب السياسي أو المجتمعي على الحراك. وتشمل هذه الخصائص: مرحلة القهر والرضوخ ومرحلة الاضطهاد ثم مرحلة التمرد (ردة الفعل)، فالقهر يُفقد المرء، وفق هذا التحليل، الشعور بالأمن والسيطرة على مصيره ما يزيد في قلقه. وهكذا، ففي مرحلة القهر “تكون قوى التسلط في أوج سطوتها، بحيث تنهار قيمة الإنسان المقهور وتطغى أنا المتسلط. فتتشكل أحكام المتسلط عن الجماهير في هذه المرحلة فيرى أنها جماهير غبية تحتاج لمن يديرها بالقوة”.

ولأنه لا يمكن احتمال الحالات النفسية التي تنتج عن وضعية القهر، فإن ذلك يتولد عنه “الاضطهاد”، حينما تكون السلطة/ الإدارة زادت من ضغوطها على هذه الفئات الاجتماعية مستغلة أنها تشتغل في قطاعات غير مهيكلة أو تمارس مهن (الباعة المتجولون) لا ينظمها القانون.

في مرحلة الاضطهاد تزيد العدوانية ضد الإنسان، فيصير مصدر السلطة “بحاجة لإدانة الآخرين ولومهم. ليس الآخر هنا إلا المقهور أو الأكثر قهرًا، بما يبرر له في مرحلة تالية الاعتداء عليهم، غير أن انتقال العنف الرمزي إلى أفعال مادية، تتخذ شكل اعتقالات أو اعتداءات أو “طحن”، تخلق حالة من التمرد والمجابهة (وهي الخاصية الثالثة). وتبدأ هذه المرحلة في التشكل حين تزيد شدة العنف “المبرر” باسم تطبيق القانون، “ومن شدة وطأة العنف الواقع عليه بترسخ إيمانه بوجوب خلق عنف مضاد، فيحاور المتسلط بنفس لغة القسوة”، ولعل هذا ما يفسر الطريقة التي تفاعل بها المحتجون مع وعود عامل إقليم الحسيمة بشأن فتح تحقيق، بحضور الوكيل للملك ليلة حادثة “طحن” بائع السمك محسن فكري، فقد بدت ردود الأفعال غاضبة جماعة من تدخل السلطة نفسها، رغم أنها جاءت لمعاقبة المختلفين والتحقيق في المسؤوليات، وذهبت كلمات بعض المتدخلين، وفقا ما تناقله شريط مصور من قلب الاجتماع، تستعيد وقائع سابقة وسلوكات صادرة عن المسؤولين، تراكمت لتفجر غضب “الجماهير”.

إحسان الحافظي

المجتمعية تختزل الخوف والقهر وحالات نفسية ناتجة عن علاقة المواطن بالسلطة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى