fbpx
ملف الصباح

“الحكرة” كأس شرب منها المواطن والمسؤول

تناسل الاحتجاجات الرافضة للظلم  وعدم الإنصاف  و الشطط في استعمال السلطة

“الحكرة” هي الابنة الشرعية ل”الشطط في استعمال السلطة” سواء تعلق الأمر بسلطة المسؤول أو السلطة التي يستمدها المواطن العادي من نفوذه المالي أو العائلي وغيرها من الطرق التي تضع المطرقة المناسبة في اليد غير المناسبة، لينزل بها “ظلما” على رؤوس المستضعفين. وإذا كان هذا الإحساس، ليس وليد اليوم، كما يؤكد ذلك الباحثون في علم الاجتماع، فهو اليوم أكثر مضاضة، وأكثر ظهورا للعيان بعد تفشي الوسائط الإلكترونية، ومساهمتها في مساعدة المواطن على فضح ما يتعرض له، عبر تصوير فيديوهات والتقاط صور وتسجيل مكالمات، ونشرها على أوسع نطاق. وليس المواطن العادي وحده من يفتك بمواطنته هذا الشعور، بل حتى بعض المسؤولين يترجمون شعورهم ب”الحكرة” بأشكال احتجاجية مختلفة، آخرها محاولة انتحار خليفة قائد بالحسيمة اعتقل على ذمة التحقيق في مقتل السماك محسن فكري، إذ اعتبر رجل السلطة نفسه كبش فداء، في ملف رؤوسه الكبيرة لم تسقط بعد، ولم يزج بها في السجون.

الإحسـاس المشـتـرك

يشعر بها مواطنون تجاه بعضهم أو تجاه المؤسسة كما يشعر بها رجال سلطة يعجزون عن تطبيق القانون خوفا من العقاب

 أضحت كلمة الحكرة تؤطر الحقل الدلالي الاحتجاجي بالمغرب، أكثر من أي تعبير آخر، بل أضحت مرجعا لفظيا وحركيا يقيس به عدد من المتتبعين ردود أفعال المواطنين من سلوكات سلبية تمارس ضدهم، وتصيبهم بالإحباط والتذمر في الغالب، ويثورون عليها سواء، باليد، أو اللسان، أو بالقلب كأضعف الإيمان.

الحكرة أكثر دقة وتعبيرا على حالة من البوح الفردي والجماعي على سلوك استعلائي ما، من قبل أشخاص، أو مؤسسات تجاه فرد، أو مجموعة أفراد، أو من قبل أفراد تجاه مؤسسات أحيانا (الحكرة التي يحس بها رجال أمن من أعيان أو أبناء أعيان مثلا)، فيصفون الفاعل بـالحكار، أو الشعب الحكار أو الكنس الحكار، وهو المعنى نفسه الذي نعثر عليه في عدد من المعاجم، إذ يقابل فعل حكر الإحساس بالظلم وسوء العشرة، ومنه الحكر (بضم الحاء وفتح الكاف) في السوق، أي احتكار البضائع والسلع للإفادة من غلائها، وهي نوع من الحكرة يمارسها التجار على الزبناء.

يوميا، ينتج المغاربة (مواطنون وسلطة) تجاه بعضهم كما غزيرا من أنواع الحكرة والاستعلاء والامتهان، ويصدرون عن بعضهم تلالا من أحكام القيمة المسبقة من النظرة الأولى، ويترجمون ذلك في سلوكات وردود أفعال، أحيانا تنتقل من المسكوت إلى المباح، حين يصيح أحدهم في وجه الآخر يعنف واش حكرتيني ولا كيفاش، ثم يردف باستسلام ولا حكرتيني غادي يجيب ليك الله مين يحكرك حتى نتا.

على مستوى المؤسسة ينزلق مفهوم الحكرة، ليتخذ لبوس إحساس بالتجرد من الحقوق المدنية والمادية والاجتماعية في حدودها الدنيا التي تضمنها الدولة لمواطنيها، مثل الحق في الصحة والولوج إلى الخدمات الطبية الأساسية، أو الحق في التعليم ومحو الأمية والجهل، والحق في قضاء عادل ومستقل ونزيه، والحق في المساواة بين الرؤوس السوداء نفسها، والمساواة في الشغل، وأحيانا تصل الحكرة إلى أبواب الإدارات العمومية، إذ ينشر البشر على أبوابها المغلقة مثل أسماك مقددة، في انتظار وصول الموظف لتوقيع، أو تسليم وثيقة، بينما يدخل غير المحكورين من الأبواب الخلفية، لقضاء مصالحهم، ويغادروها سالمين غانمين.

الباحث سعيد بنيس، الذي اعتبر الحكرة من الأنساق المفاهيمية الجديدة في المغرب وأطر لها بدراسة قيمة، يقول إن هذا الشعور ينتج توجها، ضمنيا وشكليا، يؤدي إلى عنف خطابي، مميزا في هذا الصدد بين الحكرة الكلامية التي تخص الخطابات حول اللامساواة الاجتماعية والحكرة المتحركة التي تترجم عبر حراك المجتمع المدني من قبيل المسيرات والوقفات و الاحتجاجات.

وقال بنيس إن لفظة الحكرة تكاد تكون الكلمة الموحدة  لجميع الأطياف (السلفيون، الأمازيغيون، اليساريون، الإسلاميون ومواطنون من مشارب مختلفة). من هذه الزاوية، حسبه، يمكن كذلك التمييز بين مفهوم ينطبق على حالة داخلية من اللامساواة الاجتماعية تتحدد ملامحها داخل حدود الوطن: حكرة داخلية، أو حكرة مغاربة المغرب، ومفهوم آخر يرصد حكرة يمتد مداها خارج الوطن (أوربا و أمريكا)، أي  حكرة خارجية، أو حكرة مغاربة الخارج.

وخلص بنيس إلى أن مفهوم الحكرة يشكل النقيض الأمثل لمفهوم الكرامة و الاحترام وكذلك لمفهوم المساواة المرتكز على مبدأ المواطنة دون تمييز، أو إقصاء بالنظر إلى اللون، أو العقيدة، أو العرق، أو اللغة، أو الجنس، أو المستوى التعليمي، أو التراب، مؤكدا أن المفهوم يؤثث، إلى جانب مفاهيم أخرى مثل الاستبداد والفساد والرشوة والمحسوبية، الحقل النسقي للظلم الاجتماعي في خطاب المجتمع المدني.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى