باقبو وجبارة يحضّرون "مْلوك" كناوة إلى منصة سلا شاءت الظروف والبرمجة أن تكون الليلة الخامسة لمهرجان "موازين" بوقع السحر الإفريقي على ضفتي نهر أبي رقراق، وعلى إيقاعات المقام الخماسي الذي يعد قاسما مشتركا بين الموسيقى الكناوية وباقي الأنماط الموسيقية الإفريقية، أي أن الرقم 5 كان له مفعول سحري ليلة أول أمس (الثلاثاء). هل هي الصدفة أم أن كل شيء مدبر؟ لا شيء يهم. المهم أن "كناوة" غزوا أبي رقراق مثلما فعل "القراصنة" قبل قرون خلت. فبعد سهرة الاثنين، التي كانت هي الأخرى منقوعة في نغمة "البونتاتونيك"، والتي تألقت فيها الموسيقى الأمازيغية والإفريقية على خشبة منصة سلا، وعرفت حضور مجموعات "إزنزارن الشامخ" و"إثران" و"اتحاد الصغاير" إضافة إلى "مجنون الإيقاعات" الفنان مولود مسكاوي، جاء الدور ليلة أول أمس (الثلاثاء) على كناويين بصيغتين مختلفتين، ويتعلق الأمر بالفنان مصطفى باقبو والمغني الشاب جبارة.منصة "سلا" التي تميزت منذ بداية الدورة الحالية، أو الدورات السابقة، باحتضانها لنجوم الأغنية المغربية العصرية والشعبية، كانت هذه المرة على موعد مع الموسيقى الكناوية.منصة تامغرابيتكل شيء في منصة سلا يوحي بأنها منصة مختلفة عن باقي المنصات التي توزعت على نقط مختلفة في الرباط. هذا التميز ليس فقط على مستوى الأنواع الموسيقية التي برمجت فيها، وإنما أيضا لأنها المنصة الوحيدة التي توجد خارج مدينة الرباط، وهي منصة مفتوحة على رياح البحر ومجاورة لمصب نهر أبي رقراق عند شاطئ سلا.جمهور منصة سلا يتشكل في قاعدته الأساسية من الجمهور السلاوي، الذي يحج بكل كثافة إلى كل السهرات التي تنظم على خشبتها، وفي الوقت نفسه تكون بمثابة اختبار حقيقي للأسماء الفنية المغربية التي تمر منها، ومدى تقبل الجمهور لها أو تفاعله معها، خاصة بالنسبة إلى الأسماء الشابة والواعدة، أما النجوم فليسوا بحاجة إلى ذلك فجمهورهم يتبعهم أينما حلوا وارتحلوا.لا تخلو منصة سلا من لمسات شعبية خفيفة الظل تميز سكان مدينة "القراصنة والأولياء"، فعلى الجنبات والممرات التي تؤدي إلى المنصة مباشرة، نشأ ما يشبه سوق شعبي نبت في جنح الظلام. المأكولات الشعبية معروضة على الرصيف، حيث اصطف كذلك الباعة المتجولون و"الفرّاشة" كل يعرض منتوجاته للوافدين على سهرات المنصة."واعندنا أخاي غير هاذ المناسبة فالعام باش كانترزقو الله" يقول بائع متجول في مقتبل العمر، ل"الصباح"، قبل أن يرد عليه زميله متهكما "أنت كل مناسبة كول عليها هي اللي عندنا".أما لمن أراد الانتقال من الرباط إلى سلا، خلال اللحظة التي تكون فيها الأجواء مؤججة، فحتما سيكون ضحية لأرباب الطاكسيات، خاصة الصغيرة، الذين يجدون الفرصة مواتية لإحكام قبضتهم على الزبائن والشروع في ابتزازهم، بالأثمان أو "الطريفات" التي يرتضونها، وقد تتراوح بين 50 و 100 درهم فقط لعبور قنطرة الوادي، المهم الكل يريد استغلال الفرصة، فكم لدينا من "موازين" في السنة؟. شدوها علي "البوليسية"الجمهور حج بكثافة كالعادة. لا شيء يحول دون استمتاعه بلحظات تنسيه متاعب الحياة، لكن لكل قاصد للسهرة "مقاصده"، وهو ما يبدو من خلال المشاجرات التي تنشب هنا وهناك، بين شخصين تجد أحدهما يصرخ في وجه الآخر "ما تنكش لي على أختي". الإجراءات الأمنية مكثفة هي الأخرى. المثير أن بين عناصر الأمن سواء العمومية أو الخاصة، يوجد العنصر النسائي بشكل لافت للانتباه، منهن من تتولى مهمة تفتيش الوافدات على الحفلات، درءا لكل ما يمكن أن يعكر صفو الليلة، ف"الظرف حساس جدا، والمهرجان أضحى له أعداؤه الذين لا يريدون الخير للجمهور الذي يحج إليه بكثافة"، تقول إحدى عناصر الأمن ل"الصباح" مفضلة عدم الكشف عن هويتها.وتضيف "هناك تعليمات صارمة بتشديد الرقابة على كل الوافدين، وعدم التساهل مع أي كان، حفاظا على سلامة الناس، وإلى حدود اليوم ولله الحمد، أغلب المشاكل التي نواجهها نحن عناصر الأمن أو المنظمين عموما، هي مشاكل روتينية تدخل في إطار المشاجرات العادية ولا تتجاوز في غالب الأحيان التشابك بالأيدي أو الملاسنات، أو في رغبة أشخاص الدخول إلى فضاءات غير مخصصة لهم، فالسهرة أصلا مجانية ولا داعي لمثل هاته السلوكات". ملكية "باقبو"حوالي الساعة العاشرة إلا ربع، اعتلت فرقة المعلم الكناوي مصطفى باقبو خشبة منصة سلا، وسط هتافات الجماهير الحاضرة، والمتعطشة للاستمتاع ب"ليلة كناوية" ممزوجة بأريج البحر القادم من الجهة الغربية.انخرط الجمهور الحاضر بكل عفوية مع رقصات أعضاء فرقة باقبو بأزيائهم المميزة باللونين الأخضر والأسود، واختيار الألوان لا يتم بكل براءة في عرف الكناويين."عايشة" و"للا ميرة" و"ميمون السحابي" كلها أسماء ل"ملوك"، بتسكين الميم، نادى عليها باقبو واستحضرها بكل أدوات النداء التي يوفرها المتن الكناوي المشبع بالمفردات المبهمة التي تنتمي إلى عمق الحضارة الإفريقية.واستمرت الوصلة الغنائية لمجموعة باقبو أزيد من ساعة ونصف، كانت كافية لتفعل فعلها وسط جمهور مشكل من قاعدة غالبيتها "مسكونة بالحال". إنه "الحال" الذي لا يستطيع أحد مقاومته ولو بإيماءة من الرأس، إلا أن التجاوب مع الأنغام الكناوية، درجات ومستويات، قد تصل إلى حالات "الجذبة" و"الإغماءات"، وهو ما حدث خلال السهرة. إذ بمجرد ما انتهى رفاق باقبو، حتى علت صرخات من هنا وهناك، معلنة عن حالات إغماء في أوساط "المسكونين بالحال" وأغلبهم فتيات، فجاء الدور هذه المرة على عناصر الوقاية المدنية، لنقل بعض ضحايا باقبو الذين لحسن الحظ كانوا قلة.أحد العناصر الأمنية شرع يمازح عضوا من فرقة باقبو نزل من الخشبة بعد انتهاء العرض، قائلا "كانكولوا ليكم تكايسو أصاحبي واش المقبرة من هنا والبحر والواد من هنا ونتوما باركين تعيطو على عايشة وميرة".وفي الوصلة الثانية، صعدت فرقة المغني الشاب جبارة التي غلفت "تاكناويت" بثوب غربي، منفتح على أفق إنساني أرحب وأوسع، فبدا جبارة كمعلم كناوي في مقتبل العمر من زمن، يجمع في شخصه وفي الموسيقى التي يقدمها مزيجا من كل الألوان الموسيقية المشبعة بالأنغام الصاخبة والثورية التي تحرك في الإنسان الرغبة في أن يصرخ بكل ما يعتمل في داخله. الوحدة الإفريقية على النهرأما على الضفة "الرباطية" لنهر أبي رقراق، فكانت الإيقاعات الإفريقية في أوج حرارتها، إذ كانت على موعد مع الكونغولي "باب ويمبا" الذي ألهب حماس الجمهور الحاضر والمشكل في الغالب من الجالية الإفريقية في المغرب، إضافة إلى فئة عريضة من المغاربة تستهويهم الموسيقى الإفريقية بعفويتها وحركيتها الباعثة على النشاط. عزيز المجدوب (موفد الصباح إلى الرباط)