fbpx
ملف عـــــــدالة

إصلاح القضاء وإلغاء مؤسسة قاضي التحقيق بفرنسا

 الباحث نصر: تعقد القضايا المالية وتطور الجريمة وراء طلبات إلغاء المؤسسة

تتعدد مجالات إصلاح القضاء، ففي فرنسا تجددت دعوات إصلاح المؤسسة من أجل الاندماج أكثر في الوحدة الأوربية والعولمة والإصلاح الداخلي،
إذ ارتفعت الأصوات المطالبة بإلغاء مؤسسة قاضي التحقيق واستقلال النيابة العامة، واستحداث نائب عام للأمة.

يرى الباحث هايل نصر، عضو الجمعية الفرنسية للدكاترة الحقوقيين، أن فرنسا استحدثت في إطار المجموعة القانونية للتحقيق الجنائي سنة 1808 (قانون نابليون) قاضي التحقيق، وهو ما تنفرد به الإجراءات الجزائية الفرنسية، فقاضي التحقيق محقق وقاض في الوقت نفسه، وهما وظيفتان غير منفصلتين في كل المهام التي يقوم بها هذا القاضي.
ويشير الباحث في دراسة نشرها موقع الحوار المتمدن، أنه سنة 1847 كتب بلزاك «لا توجد قوة، سواء أكانت عائدة للملك أو لوزير العدل  أو للوزير الأول، تستطيع التعدي على سلطات قاضي التحقيق، فلا شيء يوقفه ولا أحد يأمره، فهو سيد يخضع فقط لضميره وللقانون.. المجتمع الذي يهزه فقدان الفطنة وضعف هيأة المحلفين سيصبح مهددا بالخراب، إذا ما دُمّر العمود الداعم لقانوننا الجنائي». إذ كتب حديثا القاضي رينود فان ريمبيك: «قاضي التحقيق هو القاضي الأكثر إثارة للجدل في الجسم القضائي، فصورته تجمع التناقضات. أليس هذا الرجل القوي في فرنسا أداة في الجهاز الزجري؟ أليس هو الضامن للحريات الفردية، هو نفسه من يملأ السجون بموقوفين لم تجر بعد محاكمتهم، وبالتالي براءتهم مفترضة؟
ويتساءل «جان بيير دينتيلاك»، رئيس غرفة في محكمة النقض الفرنسية. هل عمل قاضي التحقيق يتلاءم مع عصرنا الذي لم يعد يتحمل وجود قاض منفرد يأخذ على عاتق ضميره وحده قرارات خطيرة؟ وتبعا لمزاجه وشخصيته يأمر بالحبس الاحتياطي أو يعفي منه؟
في كل محكمة ابتدائية كبرى يوجد قاضي تحقيق أو أكثر وذلك يتبع كبر المحكمة وأهميتها، ففي محكمة باريس يوجد 70 قاضي تحقيق، وفي القضايا الجنائية يكون رفع الدعوى أمام قاضي التحقيق إجباريا. أما في قضايا الجنح فهو اختياري، وفي حالات استثنائية ترفع الدعوى أمامه في قضايا المخالفات، فيعد الملف ويبحث عن المجرمين ويوقفهم ويلقي الضوء على شخصياتهم ويجمع الأدلة ويدققها. فإذا كانت النتائج سلبية يصدر أمرا بأن لا وجه للمحاكمة، أما إذا جاءت ايجابية فيقفل الملف بعد انتهاء التحقيق ويحيله إما إلى الغرفة الجنائية، إذا كان الفعل جريمة، أو إلى محكمة الجنح، إذا كان جنحة، وإلى محكمة المخالفات إذا كان مخالفة، فهو يملك الصلاحيات الكاملة على ملفاته، ويحقق فيها بسرية تامة. ويتخذ قراراته باستقلال كامل، ولا يتلقى تعليمات من أي كان. وبشكل خاص من نائب الجمهورية الذي لا يمكنه إلا إبداء آراء بصيغة مطالب، ولا يمكن الطعن بقراراته إلا بطريق الاستئناف أمام غرفة الاتهام التي تملك وحدها اختصاص تعديلها أو إلغائها.
وحسب الباحث ذاته فإن هذه الاستقلالية تبدأ من فتح الدعوى عند اختيار قاضي تحقيق إلى اتخاذه قرارا بشأنها، وشروط إجراءات سحب الدعوى منه تخضع لإجراءات قانونية صارمة.
استقلالية قاضي التحقيق وسيادته، فيما يتعلق بملفات القضايا الخاضعة له، لا يمنع أن تكون إدارة مكتبه خاضعة لرقابة قاض حكم في محكمة الاستئناف، هو رئيس غرفة الاتهام.
وأوضح الباحث نفسه أن القانون الفرنسي المعروف ب «قانون كيكو» سنة 2000 سحب من قاضي التحقيق اختصاص الحبس الاحتياطي ليسنده إلى قاضي الحريات والحجز، ومع ذلك بقي السؤال كيف يمكن لقاضي التحقيق ممارسة مهامه محققا، وبناء فرضيات حول إجرامية هذا الشخص وبراءة ذاك، ثم يقرر بضرورة الإحالة إلى المحاكمة أو بأن لا وجه للمحاكمة؟ هل عليه وهو يقود عمليات التحقيق أن يضحي بدوره قاضيا فيفوض تحقيقاته للشرطة، ويكرس نفسه لإظهار الحقيقة؟ هذه بعض الأمور التي جعلت دولا أوربية، مثل ألمانيا وايطاليا تلغي قاضي التحقيق وبعضها يقلص دوره ومهامه.
في التسعينات سجل بعض قضاة التحقيق في فرنسا صفحات أبرزت استقلالية القضاة، بتصديهم للنخب وللأحزاب السياسية في قضايا اقتصادية ومالية، أجبرت هذه النخب على تقديم حسابات لهم متعلقة بالفساد في تمويل الأحزاب «مما شهد إعادة ولادة سلطة قضائية في بلد كان يرفضها»، ولاقى هذا مساندة شعبية كبيرة، إذ اُعتبرت قضية اترو كارثة بالنسبة إلى القضاء الفرنسي، وكشفت لجنة التحقيق البرلمانية بجلساتها العلنية العديدة التلفزيونية، ما يعانيه القضاء في فرنسا.  إثرها تشوهت كثيرا الصورة المرسومة منذ القديم لقاضي التحقيق في الذهنية الشعبية، وعندما كان الجميع يتابع أعمال اللجنة في القضية المذكورة، ويرى ويسمع المداخلات والشهادات والتقييم، ورؤية قاضي التحقيق المعني بالقضية المذكورة بضعفه ونقص خبرته وضعف دفاعه، رغم إحاطته بعدد من المحامين المشهورين.
واتخذ المطالبون بإلغاء مؤسسة قاضي التحقيق من ذلك حجة لدعم وجهات نظرهم، ورأت النخب السياسية في سلطات وفاعلية قاضي التحقيق التي بدأت تطول مصالحهم، مما لم يكن يحدث قبل قرن ونصف، فرصة مواتية للإلغاء تُطرح باسم الإصلاح القضائي، وهذا يبين تصدي السلطة السياسية للمهام القضائية الجنائية والاصطدام بها في كل مرة يمس القضاء مصالحها ونفوذها.
المآخذ الأولى كانت في غالبيتها تتعلق بفاعلية قاضي التحقيق، وعلق على ذلك الكاتب «ايف بوت» في كتابه المشار إليه أعلاه بقوله «لو أن هذا هو المأخذ الوحيد عليه فسأبقى كما كنت إلى عهد قريب من أشد المساندين للداعين إلى الاحتفاظ به، ولكنه اليوم لم يعد يملك الفاعلية والقوة نفسها التي كان يملكها سابقا بسبب التطور العميق والنوعي للجرائم الكبرى».
ورفع النقد الموجه إلى مؤسسة قاضي التحقيق باسم تعزيز الضمانات في وجه الإجراءات الجزائية التي هي تحت تصرف قضاة التحقيق، ومنها الحبس الاحتياطي، مما يؤثر في مفهوم الدعوى المنصفة، ولكن كما اشرنا أعلاه قد سحبت صلاحية الحجز والحبس الاحتياطي من قضاة التحقيق لتصبح من اختصاص قاضي الحريات والحجز.
وبشكل عام فان من الأسباب التي يقدمها دعاة إلغاء مؤسسة قاضي التحقيق أسبابا تقنية، فتعقد القضايا المالية وتطور الجريمة وتعقيدها، مثل جرائم الإرهاب والمخدرات بكل أنواعها ووسائلها، أصبح يتطلب تكتيكا فعالا ومتطورا وعملا جماعيا، يعجز عنه قاضي التحقيق، وإن كان الاحتفاظ بمؤسسة قضاء التحقيق ضرورة، يجب أن لا ينفرد قاض واحد باحتكار التحقيق، وأن يكون هناك قضاة ثلاثة في القضية الواحدة، غير أن مثل هذا الطرح يثير الكثير من الأسئلة، منها ما هو متعلق بجدوى مثل هذا الحل، ومنها ما يتعلق بصعوبة العمل الجماعي من قبل قضاة متساوين في الاستقلال والمرتبة، ومختلفين في التفكير وطرق العمل. ولعل ما أورده قاضي التحقيق الأول في المحكمة الابتدائية الكبرى في باريس «رينود فان» والذي يتمتع بشهرة كبيرة في فرنسا، في جريدة لوموند دليل على صعوبة العمل الجماعي في التحقيق، إذ يشير إلى مهمته مع زميلين له للتحقيق في قضية « كانت لنا نظرات مختلفة للملف وطرق عمل مختلفة، لكن هذا تمت تسويته عند ذهاب زملائي الاثنين».
أما مؤيدو بقاء المؤسسة المذكورة فيقدمون أن قاضي التحقيق رمز لقضاء أصبح يملك وسائل سلطة المعارضة. وأصبح فاعلا في الديمقراطية، ومعترفا له من الجميع. فهل من الضروري إلغاء هذا الرمز حتى ولو وقع قاضي التحقيق في الخطأ، وحتى ولو تعسف في قضايا الحبس الاحتياطي والحجز؟ ويضيفون إن وظيفته ومزاياه تفوق عيوبه، إضافة إلى أن الغالبية في المجتمع الفرنسي تعتقد بضرورة بقاء قاضي التحقيق ومؤسسته.
ولم ينته الجدل بين أنصار ومعارضي قاضي التحقيق، ولن ينتهي في وقت قريب، خاصة أنه مرتبط بتاريخ القضاء الفرنسي، وإلغاء جزء من التاريخ ليس أمرا سهلا، ولا يتم قبوله أو فرض قبوله بسهولة على شعوب لا تنسب صنع التاريخ إلى فرد أو مجموعة أفراد، ولا تقبل أن يكتبه لها فرد أو مجموعة أفراد حسب المعتقدات والأهواء، ولا أن يصنع لها مستقبلها، ومنه القضائي.

إعداد: خ . ع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى