fbpx
ملف عـــــــدالة

سلطات قاضي التحقيق وقرينة البراءة

دوره ترسيخ المحاكمة العادلة القائمة على أن الأصل هو البراءة

أوكل المشرع لقاضي التحقيق السهر على إنجاز التحقيق الإعدادي، إذ أسندت إليه مهمة مزدوجة تتمثل من جهة أولى في جمع الأدلة المتعلق بالجريمة التي توبع من أجلها المتهم، ومن جهة ثانية في تقدير قيمة تلك الأدلة لمعرفة ما إذا كانت كافية أو غير كافية للاستمرار في المتابعة. ووراء الفصول القانونية المحددة لدور مؤسسة قاضي التحقيق، فإن بعض الأحداث والوقائع تكشف «قصور» المؤسسة في القيام بدورها، إذ يختفي دورها في ترسيخ قيم حقوق الإنسان من خلال اعتبارها ركيزة مهمة وأساسية في تحقيق العدالة الجنائية القائمة على قرينة البراءة، وتأكيد أو نفي الانتقادات الموجهة للنيابة العامة.
وحسب بعض الدراسات، فإن التحقيق الإعدادي يعتمد على مجموعة من التحريات تستهدف استكمال المعلومات وجمع الحجج التي تكون في صالح المتابع أو ضده من طرف سلطة قضائية مختصة يحق لها في نهاية الأمر أن تقرر ما إذا كان مناسبا أو غير مناسب إحالة القضية على المحكمة.
وتبنى المشرع مؤسسة قاضي التحقيق في قانون المسطرة الجنائية مع إجراء تغيير في الوعاء الذي يشمل التحقيق الإعدادي، فبموجب قانون المقتضيات الانتقالية أصبح إلزاميا فقط في الجنايات والمعاقب عليها بالإعدام أو بالسجن المؤبد (المادة 7 من ظهير المقتضيات الانتقالية)، وفي الجنايات التي يتم ارتكابها من طرف الأحداث، وكذلك التحقيق في الجنح بنص خاص، أما إمكانية التحقيق في المخالفات فتم إسقاطها، بل تم إعفاؤها من التحقيق الإعدادي بالمرة، بالإضافة إلى الجنح التي تقل عقوبتها عن خمس سنوات.
وحسب دراسة نشرها موقع وزارة العدل الإلكتروني، فإنه باعتبار أن النيابة العامة الابن البار للسلطة التنفيذية تأتمر بأوامرها وتنفد التزاماتها، فقد أسند لها المشرع مهمة وضع وصياغة قانون المسطرة الجنائية، وهذا ما جعلها تبالغ نوعا ما في حماية نفسها من كل ما يضيق من نطاق سلطتها في المرحلة ما قبل المحاكمة، أي مرحلة الاتهام عن طريق تمتيع نفسها بحصانة مهمة جدا، تتمثل في عدم قابلية هذا الجهاز بالإبعاد من القضية، سواء أمام التحقيق الإعدادي الذي أسندت مهامه لقاضي التحقيق أو أمام المحكمة، مما يزيد من بؤس وضعية قاضي التحقيق في ممارسة السلطات المخول له للنهوض بأعباء التحقيق الإعدادي، والمتمثل في تعميق البحث لإظهار الحقيقة التي تعتبر أحد أهم الضمانات التي يتمتع بها المتهم في تأسيس براءته، وفقا لمبدأ قرينة البراءة، وهذا لن يتأتى إلا عن طريق دراسة المسطرة المتبعة من طرف قاضي التحقيق للنهوض بأعباء التحقيق الإعدادي والمتمثلة في استنطاق المتهم والاستماع إلى الشهود والتنقل وتفتيش والحجز، واستنطاق المتهم.
يعتبر المتهم الحلقة الأساسية في مسلسل التحقيق الإعدادي، ولهذا فأول ما يبدأ به قاضي التحقيق عادة إذا كانت هوية الظنين معروفة الشروع في استنطاقه استنادا إلى مقتضيات المادة 134 ق م ج، بناء على الأهداف التي يسعى التحقيق التوصل إليها، خاصة الوصول إلى الحقيقة التي تعتبر استنطاق المتهم من ضمن أهم الإجراءات على الإطلاق. ولأن هذا الإجراء على درجة قصوى من الأهمية، فإن الإشكال الذي يطرح بخصوص هذا الموضوع يتمثل في المفهوم الذي يعتمد عليه قاضي التحقيق في التعامل مع الظنين، هل هو مفهوم اتهامي مسايرا بذلك نهج سياسة النيابة العامة المتمثلة في تدعيم خطورة المتهم واعتباره عدوا لها يجب التصدي له، أو الاعتماد على أهم مبدأ أسست عليه المسطرة الجنائية القائمة على ترسيخ المحاكمة العادلة والقائمة أيضا على أساس أن الأصل هو البراءة، ومعنى قرينة البراءة أن المتهم وهو برىء بإثبات تلك البراءة، وإنما على من يدعي خلاف ذلك الأصل أن يثبت تلك الإدانة وتلك هي أبسط قواعد الإثبات. وهذا ما سارت عليه محكمة النقض بالرباط، إذ جاء في أحد قراراتها أن «الإثبات بمعناه القانوني هو إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها القانون، فهو قوام الحق الذي يتجرد من قوته ما لم يقم الدليل عليه»،ويقع عبء الإثبات الجنائي دائما على عاتق الاتهام وليس على المتهم أن يثبت براءته، وبالتالي لا يمكن أن يتخذ من مجرد سكوت المتهم دليلا ضده، ولا يجبر على أن يدلي بما لا يريد قوله، فالبراءة المفترضة في المتهم تقتضي معاملة صاحبها بوصفه حرا بريئا ولا يتفق البتة مع افتراض تلك البراءة تكليف المتهم عبء إثبات براءته، وعلى من يدعى خلاف ذلك إثبات أنه غير بريء، وأن الإدانة تتوافر في حقه.

إعداد خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى