fbpx
مجتمع

مغاربة يعيشون جحيم الوادي الأخضر في صمت

الصباح” تنقل أحلام مواطنين مهزومين بدواوير ومداشر معزولة

بين جبال الأطلس المتوسط توجد دواوير أمازيغية بجماعة أيت ماجدن بإقليم أزيلال، حيث تسمع معاناة سكان، لا يمكن الوصول إليهم ولا إغاثتهم ومدهم بيد المساعدة، إلا بعد تجاوز واد يهيج في وجه كل من اقترب منه،
ويهزم كل من حاول مواجهته، قوته زادت حدة بعد أن غفل المسؤولون عن مساعدة السكان وحل مشكلهم البسيط/ الصعب. إذ

 

لا يمكن للوادي الأخضر رفع راية الاستسلام، إلا إذا بنيت قنطرة تحترم معايير السلامة
وتحمي الأطفال والنساء والشيوخ. حل بسيط وسهل وبمقدوره تغيير واقع سكان دواوير أيت مخلوف وتنغامت وايزيامن وفك عزلتهم.
“الصباح” عاشت معاناة السكان وحاولت نقلها في الربورتاج التالي:

تحت درجة حرارة فاقت 36 درجة، وبين الطرق الوعرة لجبل بجماعة أيت ماجدن، شدت “الصباح” الرحال من أجل الوصول إلى سكان دواوير تابعة إلى عمالة أزيلال، لنقل معاناتهم إلى من يهمهم الأمر، ولكي تزعزع أصحاب النفوس النائمة، وتؤكد أن هناك، في المغرب غير النافع، يوجد أناس تتلخص أحلامهم في بناء قنطرة تفك عزلتهم، وتربطهم بالمدارس والمستشفيات وأشياء أخرى من الضروريات، وأنهم تعبوا من قول “نحن هنا” في صمت.

معاناة لا تنتهي
بعد أزيد من 30 دقيقة من المشي بين الطرق الوعرة بجبل بجماعة أيت ماجدن، يطل “الوادي الأخضر”. لونه الأخضر الداكن، يخفي حقده وحربه، وجريان مياهه العذبة، يخفي قوته وغدره، وهديره كأنه أغنية سلام لحنها لا يختلف عن معزوفة حب، لكن الواقع غير ذلك، فهذا “المتنكر” في ألوان السلام، غدر بأشخاص لا حول لهم ولا قوة، أرادوا فقط تجاوزه للوصول إلى مدارسهم وإلى المراكز الصحية وإلى السوق الأسبوعي، إلا أنهم وقفوا عاجزين أمام قوته، وفي الوقت ذاته صفقوا لقوة إصراره على محاربتهم. أمام هذا الوادي يندهش المرء لجماله، ويتأسف لمكره، سيما أن السكان عاجزون عن التواصل مع مغرب التنمية والحداثة بسببه، وإذا أصروا على التحدي، فإنهم يغامرون بحياتهم  ويضعونها في دائرة الخطر، رافعين شعار  “للي بغى يوقع يوقع”.
“لا نملك خيار غير مواجهة الوادي للوصول إلى المدارس” ببراءة الأطفال يتحدث موسى، تلميذ في إعدادية تبعد عن الدواوير بحوالي 6 كلوميترات، مضيفا أنه خلال أربع مرات في اليوم، يضطر إلى تجاوز الوادي الأخضر للوصول إلى مقاعد الدراسة.
يقول التلميذ إنه لا يفكر في ترك الدراسة، ومن أجل ذلك فهو مصر على تحدي الوادي وتجاوزه يوميا إلى أن ينتبه المسؤولون إلى معاناتهم، ويشيدوا قنطرة لا تهدد حياتهـــــــــــــم، وليـــــس كتلك التي تم بناؤها، والتي كلفت المسؤولين مبلغنا مهما من المال، حسب تعبيرهم طبعا، إلا أنها انهارت في الشوط الأول من مباراتها مع الوادي، وفي محاولة منهم لتدارك الأمر، تم ترميمها. لكن المشكل الأساسي لا يستطيع ترميه، باعتبار أن وصول سكان الدواوير إليها يتطلب المشي لأزيد من 3 ساعات متواصلة، إذ وضعت دون دراسة ميدانية ولا تصميم يتماشى مع طبيعة المنطقة، حسب ما أكده السكان.
وقوف الطفل وهو يحمل حقيبته الدراسية على كتفيه، يمعن النظر في الوادي الأخضر، كأنه يحاول القول إنه سيحقق حلم سكان الدوار يوما ما، وسينقلهم إلى الضفة الأخرى دون أن يخاطروا بحياتهم، وكأنه يحاول القول إنه سيهزم الوادي وينتصر في نهاية المباراة، يزيد حدة الوضع ويزيد إصرار بعض سكان المنطقة على التفكير في الحلول بديلة.

مغامرات يومية
شيوخ “كفدوا حوايجهم”، حاملين أغراضهم الخاصة وموادهم الغذائية، وتلاميذ حملوا حقائبهم واستعانوا بمساعدة أهلهم، ونساء مع رضعهن وأطفالهن على الدواب…، الكل هنا عازم على تجاوز الوادي، متجاهلين الخطر الذي يهدد حياتهم، فهم في مغامرة يومية مع خصم اسمه “الوادي الأخضر”، وكلهم يحلمون بالوصول إلى الضفة الأخرى دون معاناة أو خوف من وصول المياه القوية للوادي في اللحظة التي يكونون فيها وسطه، وحينها البقاء للقوي، وغالبا ما يبقى الوادي فرحا بانتصاراته.
الشيوخ والأطفال والنساء، في مغامرات يومية، لا يعلمون متى تنتهي، لكنهم متأكدون أنها ستنتهي إذا شيدت القنطرة. وفي هذا الصدد، يقول الحسين، رئيس جمعية الماء والتنمية والتضامن بدوار ازيامن، إن سكان الدواوير الثلاثة يضطرون إلى  قطع الواد على إقدامهم، أو على الدواب، رغم أن الوادي الأخضر، في الكثير من الأوقات لا يبالي إن كان الهدف الذي يتحداه على قدميه أو على ظهر دابة، فقوته قد تهزم الجميع. وأضاف في حديثه مع “الصباح” أن السكان وضعوا عددا من الشكايات في الموضوع، إلا أنها ربما لم تصل إلى من يهمهم الأمر، أو أنهم تجاهلوها.
وأوضح المتحدث ذاته، أن الصبيب الأقصى لمياه السد مولاي الحسن الأول، الذي يمر بالوادي الأخضر، يبلغ 40 مترا مكعبا في الثانية في الكثير من الأوقات، وهو ما يهدد حياتهم، مضيفا أن صبيب الفيضانات التي تحدث الخسائر يتجاوز بكثير 400 متر مكعب في الثانية، باعتبار أن فيضان الواديالأخضر يسبب خسائر كبيرة للسكان تتعلق بجرف عدد من الضيعات والاستغلاليات الفلاحية الخاصة بمزروعات بكرية، يخصص أغلب منتوجها للبيع بالأسواق المجاورة.
وقال الحسين، إنهم اقترحوا تعميق دراسة المشكل على مستويات مختلفة، حددها في وكالة الحوض المائي لام الربيع، والمديرية الاقليمية للتجهيز. كما اقترحوا وضع دراسة تقنية معمقة على طول الوادي الأخضر ووادي غراف.

آخر ضربات الوادي القوية
“ذهبت إلى المركز الصحي، ولم تعد”، بحسرة كبيرة، وبعينين غطتهما الدموع، تتحدث أمي فاضمة الملقبة ب”توحيت” عن صراع زوجة ابنها وحفيدتها مع الوادي الأخضر، وكيف فقدت الزوجة التي قصدت المركز الصحي وابنتها المريضة ولم تعد بعد أن جرها الوادي دون رجعة.
تقول أمي فاضمة، إن زوجة ابنها غادرت البيت في اتجاه المركز خلال الساعات الأولى من الصباح بعد أن تدهورت صحة ابنتها، إلا أنها ونظرا لأنها لا تعلم الكثير عن الوادي وخطورته، لم تعد واستسلمت لقوته، وانتشلوا جثنين مساء اليوم ذاته.
تتحدث المسنة بكلمات أمازيغية وبحزن كبير، عن موت قريبتها بحزن كبير، وفي الوقت ذاته، تلومها على أنها واجهت الوادي رغم علمها بضرباته القوية، وتلومها على أنها لم تنتظر على ضفته إلى أن يهدأ ويعود إلى طبيعته، وأن تترك “المجنون” إلى ان يشفى من نوبات غضبه.
ورغم أنها تشتكي من “بعبع” المنطقة وكيف يحاصر السكان ويجعلهم في عزلة، تؤكد أن عليهم التعايش مع الأمر الواقع، دون محاولة البحث عن البديل أو الحلول، أو حتى التحدث في الموضوع، ودون أن يطرقوا حتى باب المسؤولين.
إذا كانت مي فاضمة، وبحكم عدد من العوامل، رضخت للأمر الواقع، فشباب من المنطقة ذاتها، عاشوا معاناة السكان وتجاوزوا الوادي بعد أن ركبوا المغامرة، ووصلوا إلى الضفة الأخرى ورأوا كيف أن هناك حياة، على الأقل تحترم الإنسانية، وان تحقيق حلمهم واجب على المسؤولين الذين وضعوا من أجل توصيل صوت معاناة السكان إلى مراكز القرار، فقرر هؤلاء الشباب العودة من الجديد، لكن بحلول أو حتى بمقترحات، وحافز يشجع السكان على الوقوف ومحاولة الخروج من عزلتهم.
ومن بين هؤلاء  الشباب، رفيق، شاب في الثلاثينات من عمره، غادر دوار تنغامت والتحق بالعالم الجديد. يقول رفيق إن ما يعيشه سكان الدواوير الثلاثة، جعله يفكر في الحلول، ومحاولة مساعدتهم، مضيفا أن جمعية “رميساء” بالدار البيضاء، وهو عضو فيها، اهتمت بمعاناة السكان، وحاولت قدر الإمكان مساعدتهم ومد يد المساعدة لهم.
واعتبر رفيق أن الجمعية أخذت على عاتقها حمل معاناة الدواوير ذاتها وتوصيلها إلى المسؤولين، مؤكدا أنها تكلفت بوضع دراسة لقنطرة تحترم الشروط الأساسية، من مالها الخاص، في محاولة منها تقديمها إلى عدد من الجهات لمساعدتها في بنائها.
وأضاف رفيق في حديثه مع “الصباح” أنه، إلى حدود كتابة هذه السطور، لم يتلق أي عرض من جهة معينة لمساعدة السكان، وأن الجمعية تنتظر الرد على طلب المساعدة، معتبرا أن الدراسة التي أنجزت ستساهم في تسريع وتيرة بناء القنطرة.

الحاجة أم الاختراع
تجاوز سنه 100 سنة، حسب ما أكده سكان المنطقة، إلا انه يعمل ليلا نهار على  توفير حاجياته اليومية، سيما بعد ان ترك ابنه الوحيد المكان واتجه صوب المدينة من أجل البحث عن فرص للعمل تلائم طموحاته. بجلبابه الأبيض_ الرمادي، يقف على ضفة الوادي الأخضر محاولا الوصول إلى الضفة الأخرى حيث من الممكن أن يجد ما يبحث عنه، مستعينا بخردة من الحديد، يربطها حبلان من طرفين، هي من بين الحلول التي “اخترعها” سكان المنطقة، فالحاجة أم الاختراع. وباعتبار أن “الشبكة” كما يلقبنها السكان، تحتاج إلى جهد كبير من أجل أن تبرح مكانها، فقد عجز المسن عن تحقيق رغبته وطلب المساعدة.
يعتبر با محمد، أن “الشبكة” اختراع لا يمكن الاستهانة بها، وأنه سلاح يرفعه في وجه الوادي الاخضر، وله الحق في قول ذلك، لانه بكل بساطة لا يدري أن مغاربة اليوم أصبحوا يطالبون بأشياء غير التي ما يعتبره اختراعا وانجازا يجب أن يصفق له. لا يعلم با محمد أننا أصبحنا اليوم نطالب بتسريع وتيرة أشغال الترامواي، ونطالب بالمزيد من الطرق السيارة، وان تحذف بنود من مدونة سير جاء بها كريم غلاب وزير التجهيز والنقل، أثقلت كاهن الكثير من المغاربة، حسب تعبيرهم.
يقول أحد سكان المنطقة، إن “الشبكة” يعتبرها الكثير وسيلة للتنقل، رغم خطورتها، إذ تهدد حياة مستعمليها، إلا أنها ليست أقل خطورة من تجاوز الوادي على أقدامهم، أو حتى على دوابهم.
فمع وضع أول قدم في “الخردة الحديدية” يشعر المرء بأنه وضح حياته في دوامة الخطر، ومع تحركها، يزيد الأمر حدة، خصوصا أن رياحا قوية بمقدورها أن تقلبها، ويصبح الراكب بين أحضان الوادي، فالوصول إلى الضفة الأخرى باستعمال ذلك “الاختراع”، أمر ليس بالهين، إلا أن “الله غالب”.
حل آخر، فكر فيه سكان الدواوير الثلاثة، يتعلق ببناء ممر للراجلين فوق الوادي الأخضر، دون دراسة او شيء من هذا القبيل، إلا أنهم يعتبرونه منقذهم الوحيد في ظل غياب البديل.
يقول السكان، إن الكل ساهم في إنجاح الممر، ومن لم يستطع التبرع بالمال، ساعد في عملية البناء، التي تمت دون دراسة، فقط ان البعض اعتبر ان له دراية كافية بكيفية بناء القناطر.

أقسام مهددة بالانهيار

غير بعيد عن دواوير جماعة أيت ماجدن، توجد أقسام، تحت اسم “مدرسة ابتدائية”.
5 أقسام، 3 منها غير صالحة للدراسة، والباقيان وضع بهما التلاميذ من جميع المستويات. هذان القسمان بعد سنوات سيصبحان أيضا غير صالحين لاستقبال التلاميذ، حسب تعبير سكان المنطقة، الذين أكدوا أنهم شيدوا قسما واحدا من مالهم الخاص قبل أن تبنى باقي الأقسام، مضيفين أنهم متخوفون من انهيار سقفي القسمين على التلاميذ. فالمدرسة في وضع مزري، وتحتاج إلى التفاتة المسؤولين وإصلاحها من أجل المحافظة على حياة أبنائهم.
يقول عزيز، احد المعلمين بالمدرسة، باعتبار أن الأخيرة تضم معلمة التحقت أخيرا، ومعلم قضى أزيد من 10 سنوات، إنه يحاول في كل مرة إصلاح ما أفسده الزمن، إلا أن الأمر يحتاج إلى الكثير من الوقت والجهد.
وأضاف عزيز، في حديثه مع “الصباح”، أنه في ظل غياب الإمكانيات يبقى المشرفون على المدرسة وآباء التلاميذ، عاجزين عن تقديم المساعدة للتلاميذ، موضحا أن الجميع يحمل هم المدرسة وفي الوقت ذاته رغبة الأطفال في التعلم تحفزه على الاستمرار ومحاولة إصلاح الأقسام لتستمر في استقبال الأطفال.

إيمان رضيف (موفدة الصباح إلى الوادي الأخضر)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى